Print this page
بمرور الزمن ينسى المرء الكثير من ذكرياته الشخصية والعائلية ، فكيف بالذكريات عن الأخرين من الأحبة الذين فارقونا وتركوا بصمات نضالية لا تنسى .
قد يتصور البعض إن الشهداء أصبحوا من ذكريات الماضي فلهم الرحمة وعلينا الأن الأهتمام بحياتنا والأنشغال بهمومنا ومشاكلنا الحالية ونجنب عوائلنا المزيد من الضحايا . وأود أن أقول إن الشهداء يعيدون تشكيل الحياة بزخم أكبر وأبداع أعظم لتبقى الشهادة هي المعادل الموضوعي للحياة ، فلا حياة ولا تأريخ لنا ولا ماضي ولا مجد ولا عبرة بدون الشهداء ، فهم الذين يصنعون لنا المستقبل وليس الجالسون والمعاهدون على الصمت والنكوص . فالشهداء ينزرعون في الأرض ، يورقون ، ويثمرون وتخضر بهم حياتنا ويبنون لوطنهم التأريخ والمجد والمستقبل .
قد يتصور البعض إني كتبت سابقا" عن بعض شهداء العائلة لغاية في النفس ، وبالرغم من إنهم مندائيين وعلينا تمجيدهم ، فلا يوجود فرقا" بينهم وبين الشهداء المندائيين الأخرين . أن مشاعر shaheeda ahlamكبيرة تدفعنيمنذ سنوات للكتابة عن كل الشهداء ووفق المعلومات المتوفرة لغرض تعريف المندائيين بهم كنماذج من شهداء الوطن . ولكن نقص المعلومات عنهم وهم بالمئات هو السبب في ذلك ، وأرى من الواجب على ذويهم ومعارفهم وأصدقائهم المساهمة بذلك وقد كتبت عن هذا الموضوع سابقا" مقالة (( الشهداء المندائيين هم شهداء الشعب والوطن )) بغية أطلاع جيل الشباب الحالي بتضحيات أحبتنا المندائيين وليطلع عليها كل من يحاول أن يطمس ويتنكر لحقوق الصابئة المندائيين ويبعدهم عن تأريخ وحضارة وتراث العراق فهم أبناءه الأصليين ومنذ آلاف السنين ولا زالوا كذلك .
لذلك فمن الصعوبة والمشقة أن يكتب المرء عن أخ أو صديق سقط شهيدا" على طريق النضال فكيف الحديث عن مناضلة في ريعان شبابها قدمت نفسها شهيدة للقيم والمبادئ التي آمنت بها ..... أنها الشهيدة (( عميدة عذبي حالوب / أحلام ))
لا شك أن الكتابة عنها ستكون أصعب ولن تعطيها حقها من التكريم ، لأننا لا نملك سوى الذكريات التي طواها النسيان ، ولهذا مهما أطلنا الحديث وتعمقنا في البلاغة والفصاحة فأن الكتابة ستبقى قاصرة ولن تغطي إلا الجزء اليسير من حياة هذه المناضلة الشيوعية البطلة .
تعود بنا الذاكرة الى منتصف الستينات وفي محلة الدوريين أو ما يسميها البعض بأسمها القديم بالأضرملي بجانب الكرخ في بغداد . تلك المحلة الشعبية المعروفة بطيبة أهلها وعلاقاتهم المتواضعة ، أناس يرحلون وآخرين يحط بهم المطاف من أماكن مختلفة بحكم الوضع الأقتصادي والأجتماعي والدراسي الذي يمر به المندائيون في تلك السنوات .
كانت هذه المحلة موطن لكثير من العوائل المندائية التي غادرت سكنها الأصلي في المحافظات الجنوبية وقصباتها لأسباب عديدة ، أتذكر منهم بالأضافة الى عائلتنا بيوت العمام خضير صكر ، كثير صكر ، جاني السهر ، غضبان الرومي ، شاطي الخميسي ، صالح حاجم السداوي ، رحيم فنجان ، يوسف خصاف ، أسماعيل مطشر ، داود السداوي ، طارق كثير ، مجيد طارش ، يوسف خسارة ، سالم جبر ، محارب ، طارش ، وغيرهم لا تسعفني الذاكرة تذكرهم . وكانت تربط الجميع علاقات جيدة ويتبادلون الزيارات خاصة في المناسبات والأعياد . وبحكم الظروف السياسية والأقتصادية وأشتداد الأرهاب في تلك الفترة أخذت هذة العلاقات تضعف تدريجيا" وفضل قسم منهم الأنتقال الى مناطق أكثر حداثة وهدوء في ضواحي بغداد .
في أحد الأيام طرق لسمعنا أن عائلة مندائية قادمة من قضاء سوق الشيوخ قد أستأجروا دارا" لا تبعد عنا سوى أمتار قليلة وتبين لنا بعد أيام أنها عائلة الأخ الأستاذ عذبي حالوب الخميسي تلك الشخصية الهادئة المحبوبة الذي قضى سنوات عمره الطويلة في سلك التعليم . وما هي إلا فترة قصيرة حتى ربطتنا بهم علاقة مودة وأحترام وتوطدت أكثر بين الشباب في ذلك الوقت في مرحلة الدراسة المتوسطة والثانوية .
كانت العائلة مكونة من الأخ عذبي حالوب / أبو عماد ، والأخت صبرية / أم عماد ، وثلاثة أخوة هم : عماد ، أياد ، رشاد ، وثلاثة أخوات هن عميدة ، أحلام ، أبتسام .
كان عماد زميل أخي الأصغر الفقيد سلام في ثانوية النضال بجانب الرصافة في بغداد والشهيدة عميدة زميلة لشقيقتي الصغرى في متوسطة النضامية بجانب الكرخ . وبحكم الدراسة والعمر المتقارب ربطت بينهم علاقات صداق ومحبة وتعاون دامت لسنوات ولغاية أنتقالهم الى حي المعلمين في الداوودي .
ولدت عميدة وترعرت عام 1954 في قضاء سوق الشيوخ / محافظة ذي قار من عائلة تمثل صورة صادقة للحضن المندائي الدافئ الأصيل والمحبة والمروءة والنخوة والكرامة والوفاء وهي المبادئ التي تربت عميدة وأخوتها عليها . كانت هذه العائلة من العوائل المندائية التي تأثرت بالحس الوطني إسوة بالعوائل المندائية وأنتقل هذا الحس الوطني الى الأبناء منذ نعومة أضافرهم .
كانت عميدة وهي في المرحلة الثانوية تتصف بالوجه البشوش ، البسمة الدائمة ، التواضع ، النشاط والذكاء . طالبة نشطة ومتفوقة في دراستها ، أضافة الى ما تقوم به من نشاط في رابطة المرأة العراقية وأتحاد الطلبة العام وكان ذلك واضحا" من نشاطها اليومي وعلاقتها بشقيقتي الصغرى . كنت أتابع نشاطها عن بعد بأعتباري أحد قياديي التنظيم الطلابي في ذلك الوقت وأوصي بالأهتمام بها ورعايتها وهذا ما كان يسعدني عندما أسمع عنها وأراها نشطة متألقة بين زميلاتها وزملائها في مناسبات وطنية عديدة .
مرت سنين قبل أن تواجهني من جديد لتطلب مني تبرعا" للحزب الشيوعي العراقي عندها أدركت أنها دخلت ميدان النضال الحقيقي وحاولت جهد الأمكان التخلص من الموقف دون جدوى إلا بعد أن دفعت لها كل مصروفي اليومي كطالب وما أصعبه في تلك الأيام القاسية تشجيعا" لها
بعدها بشهور وفي بداية السبعينات على ما أعتقد وبحكم الظروف المحيطة بهم أنتقلت عائلتها الى منطقة الداوودي ودخلت كلية الرزاعة وتخرجت منها ، وأصبحت علاقاتنا شبه مقطوعة بحكم الواقع السياسي المعقد وتصاعد الأرهاب والأختباء وظروف العمل .
بعد الهجوم الواسع الذي قامت به السلطة الكتاتورية وأجهزتها عام 78 / 1979 لتصفية الحزب الشيوعي العراقي أضطر المئات من الشيوعيين اللجوء ألى أماكن آمنة فمنهم من غادر الى كردستان وألتحق بفصائل الأنصار وآخرين سمحت لهم الظروف بالسفر الى خارج العراق والأستقرار المؤقت في أحدى الدول . وكنت من بين هؤلاء الأجئيين وقد حط بي الرحال في بلغاريا وقد طرق لسمعي من بعض الرفاق إن الشهيدة عميدة موجودة أيضا" مع عدد كبير من الرفيقات دون أن تكون لدي أي معلومات متى وصلت وأين تسكن !!! بحكم الظروف السرية التي يمر بها الحزب ووصول معلومات تشير الى أن النظام الدكتاتوري قد أرسل شبكة من مخابراته لمطاردة وأغتيال العناصر النشطة في الحزب لذا تطلب منا الحذر الشديد .
مرت عدة أشهر قبل أن يقوم الحزب بالأتفاق مع الحكومة البلغارية لأرسال رفاقه الذين وصل عددهم المئات والموزعين في فنادق صوفيا ويمرون بظروف صعبة الى المدارس الحزبية في عدة مدن بلغارية بشكل مؤقت لغرض الحفاظ عليهم وتهيأتهم الى المرحلة المقبلة ، وتوزع الرفاق على مدن روسا ، بلوفـدف وستارة زكورا وغيرها وكانت محطتي مدينة روسا الواقعة في شمال بلغاريا على الحدود الرومانية .
في بداية مايس من عام / 1979 وبعد رحلة بالقطار دامت إثنى عشرة ساعة مع رفيقين آخرين وصلنا مدينة روسا في الساعة العاشرة ليلا" وفي صالة الأنتظار في المدرسة تقدم علينا بعض الرفاق والرفيقات للترحيب والسلام وكم كانت المفاجأة عندما رأيت الشهيدة عميدة تتوسطهم مبتسمة كالعادة حيث سبقتني الى هذه المدينة ، كان اللقاء لا يوصف ، تحدثنا عن ذكريات الماضي والأهل والأبطال الذين فارقناهم وكيف تعرفت على شريك حياتها الذي يشاطرها أفكارها وأحلامها وكان في مستوى المسؤولية حيث الحب والطيبة والثقافة والأتزان .
تقع مدينة روسا في شمال بلغاريا على أحدى ضفتي نهر الدانوب الشهير وعلى الضفة الأخرى تقع الأراضي الرومانية ، مدينة جميلة وذات طبيعة خلابة وذات شعب لا يوصف .
قضينا في روسا حوالي سبعة شهور وكأنها سبعة أيام ولكن لم ننسى الوطن ولو للحظة حيث كنا نتابع آخر التطورات على الساحة السياسية العراقية وأتذكر تلك الليلة ونحن نتابع أخبار الوطن عندما أعلن الطاغية صدام عن وجود مؤامرة تستهدف البعث وقيادته في أوائل تموز / 1979 وأعتقال رفاق الأمس من القيادة القومية والقطرية وأعدامهم .
بعد تلك الشهور أعطيت لكل الرفاق الفرصة لكي يحددوا مستقبلهم ، فتوجه قسم منهم للعمل والأستقرار في جمهورية اليمن الديمقراطية أو في الجزائر أو ليبيا ، وقسم منهم فضل الدراسة على حسابه الخاص أو السفر الى أحدى الدول الأشتراكية بدعوة من أحد معارفهم وقسم منهم ذهب الى كردستان مباشرة أو الى سوريا و لبنان والعمل في مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية ، وشاءت الظروف أن أتوجه الى جمهورية اليمن الديمقراطية لأسباب عديدة وأن ألتقي مع الشهيدة عميدة مرة أخرى هناك حيث كانت تسكن بشقة مجاورة لفترة دامت أكثر من سنتين وربطتنا بها علاقة مميزة .
عندما قرر الحزب رفع شعار الكفاح المسلح ودعوة رفاقه في كل الدول للألتحاق بفرق الأنصار أنتسب زوجها الى الكلية العسكرية اليمنية وتخرج منها برتبة ملازم ثان أستعدادا" للتوجه لكردستان ، ولبى النداء المئات من الشيوعيين في بلدان عديدة تاركين عوائلهم وأعمالهم ودراستهم بعد تلقيهم التدريب العسكري من خلال دورات عسكرية دامت أكثر من شهر ونصف للدورة الواحدة في حمهورية اليمن الديمقراطية أو التدريب في معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وتوجهوا بعدها الى كردستان وتم تنسيبهم الى مواقع مختلفة في سوران وبهدنان ودشت الموصل .
دخلت الشهيدة عميدة أحدى تلك الدورات العسكرية ونظرا" لتفوقها دخلت دورة أخرى على قاذفات RBG – 7 وغادرت مع زوجها الى كردستان وهناك نسبت الى قاعدة بشت آشان وكان كل أملي اللقاء بها في المستقبل ولكن مع الأسف لم يسعفني الحظ .
بشت آشان تلك القرية المهجورة التي أحرق الفاشيون كل أشجارها ومزارع عنبها وبيوتها بالغارات الجوية الحارقة ، بشت آشان تلك القرية النائمة على ذراع جبل قنديل أعلى جبال كردستان والمحاذي للحدود الأيرانية وهي تغمس جدائلها في نهر صغير ، تحولت الى موقع ثوري بعد أن أحياها الأنصار من خلال تلك العلاقة الودودة مع الأهالي الذين بدأوا يترددون على قريتهم ، يعيدون ترتيب البستان ، ويوصون بشجرة الجوز ، ويطمئنون على الأنصار ويسألونهم المشورة والأخبار . وتمر الأيام مليئة بالحركة ، وبدأت زينة بشت آشان تأخذ شكلها الأخير ، أحتضنها السكان وفرح بها الأنصار وفي الوقت نفسه كانت مغرية ، بخبث ، للبعض بينما بدت جسورة ومخيفة للكثير من الأعداء خاصة بعد أن تصاعدت عمليات الأنصار وبدأ رصاص الثوار ينذر بالخطر لذلك قرروا منعها بعمل سريع من النمو في الأول من أيار عام 1983 عيد الطبقة العاملة العالمية وأختاروا الحلقة الأضعف على الساحة الكردية وبعض قياداتها الذين أستلموا المهمة كسبا" ، دعما" ، وأسنادا" ، غزلا" أو مديحا" مالا" وسلاحا" ومن أولئك الذين يريدون بقاء الطغيان يعبث بمصير الوطن حيث أشتد هوس معاداة الشيوعية الناتج عن وعيا" مشوها" ووضعا" نفسيا" فحواه الغدر والخداع والتعطش للدم بصورة سعي محموم للتفرد والسطو والسيطرة على الساحة السياسية .
كان الأنصار يتابعون ما يحدث أمامهم قبل الأعتداء بترقب وحذر شديدن ، لكن البنادق مشرعة ، مرفوعة الأمان دائما" ، حوار وأقتراحات بضبط النفس والعمل على عدم التفريط بقطرة دم واحدة من أي من مقاتلي الحركة الوطنية .
وبدأت المعركة في الأول من آيار وكما هو مخطط لها واشتدت المعارك في اليوم الثالث حيث سقط العشرات من الأنصار والنصيرات في معركة طاحنة وغير متكافئة .
وفي المعركة وجدت النصيرة عميدة عذبي حالوب / أحلام ورفاقها إن ساعة المجابهة واجبة الأن عندما تعرض موقعها لأطلاق نار غزير ، كانت عميدة كشيوعية حقيقية تعي ما يجري من حولها بأنه ليس تدريبا" بالذخيرة الحية .... أنه دم النصير الشيوعي يهدر الأن بوحشية تجسيدا" للشعار يا أعداء الشيوعية أتحدوا !! وبنفس الحقد الفاشي نفسه الذي أطلقه الفاشي المعروف رشيد مصلح في شوارع العراق أثر أنقلاب شباط الأسود عام 1963 .
أصيبت عميدة في ساعدها ، لكن نبضها ما يزال حارا" وحنينا" حتى أطلاق النار على وجهها فسقطت شهيدة بإرادة لم يتمكن منها القتلة إلا بعد أن أصبحت عزلاء تماما" ، سلبوا قلادتها الذهبية وقطعوا أصبعها طمعا" في خاتم الزواج .
أنتشر الحزن في الزوايا والأركان وأطبق الصمت على المكان لدرجة لا يملك المرء إلا الأستسلام لمشاعر تفضي الى دموع تنساب رغما" عنه تحت وطأة قسوة الحظة والزمان .
وعندها هتف الأنصار ... سنواصل الخطى أيها الرفاق ، ولتدم زهرتنا حمراء فتية ، معافاة ، بهية وبسيطة بمحاذاة القلب ، وليس للشهداء إلا أن يعتبروا الجسد وطنا" قابلا" للأنفجار ، فلتسحب رصاصة أخرى أيها النصير الشيوعي فهي الدرب المفضي الى ما نريد مهما كان صعبا" وشاقا" .
فقبل أن نودعك يا عميدة ... أقول إن الأرض التي أرتوت بدمائك الزكية ستزدهر حتما" وإن الأفكار التى حملتيها ودافعت عنها لمنتصرة حتما" ، أما ذكراك العطرة فباقية في قلوبنا وفي سجل الخالدين وعفوا" منك أذا كانت ذكرياتي ليست بتلك الدقة .