wrapper

مثنى حميد مجيد 
 

مندائيون ، أيزيديون ومسلمون

لا شك أن من الخطأ دراسة أي ديانة من ديانات شرق المتوسط والجزيرة العربية بمعزل عن بعضها.وما أسجله هنا هو رسم إنطباعي وخطوط ايكولوجية عامة للظاهرة الدينية التاريخية أكثر مما هو دراسة تاريخية.سوف أعرض للقاريء ، وأكاد أقول المشاهد ، اللوحة فقط ، ألفت إنتباهه للألوان وتدرجاتها والظلال وإنعكاسات النور والظلام ، والخطوط العامة ، وسوف يلمس القاريء ، كأي مشاهد يقف للمرة الأولى أمام لوحة تشكيلية ، بعض الأفكار والعناصر الأساسية لها ، وله بعد ذلك طبعآ حرية التأمل والدراسة المستفيضة التفصيلية لكل الظاهرة الدينية والتاريخية.
سنلقي أولآ نظرة عامة على عناصر المشهد الجغرافي.سنجد أيزيديون ، حتى وقت قريب يتشددون في إطلاق لحاهم ويرتبطون بحميمية بعاداتهم وطقوسهم التي تقوم في أغلبها على تقديم الأضحيات الأنثوية من أجل الذكر ، يقطنون شمالآ من وادي الرافدين في وسط إسلامي سني .مقابلهم صابئة كان لهم نفس التشدد والإلتزام في إطلاق اللحى ويمتلكون نفس الإرتباط والحميمية بعاداتهم وطقوسهم التي يلغون فيها أي تقدمة طقسية أنثوية محددين وبصرامة الطعام الطقسي عندهم على عدد محدود جدآ من ذكر الحيوان ، هؤلاء يقيمون جنوبآ من وادي الرافدين في وسط إسلامي شيعي.إن هذا التنافر الذي يشبه التعاشق ، والذي يمكن دعمه بمزيد من الأسانيد البحثية، يعطي إنطباعآ أن الطائفتين كانتا في الأصل تشكلان قطبين أو فرقتين لمذهب ديني عام واحد في حقبة محاها التاريخ ولم يترك من أثارها إلا القليل من الخطوط والألوان والظلال والكثبان الرملية التي تحتاج الى إزاحة وكشف من أجل تصور أكثر وضوحآ ومعقولية لحقيقة المشهد القديم الذي أبلته وتكاد تلغيه تمامآ رياح التاريخ العاتية.
سنلحظ أيضآ مساقط النور والضوء وعنصر الماء لنجد أن الطقوس الصابئية هي طقوس شمسية ضوئية حيث يتم التعميد المستمر في ماء الأنهار الجاري و تتوقف تمامآ في الليل بإستثناء الأيام الخمسة للبنجة ـ برونايا ـ التي هي أيام خلق العالم ، وهي أيام الهية تسقط حتى من حساب التقويم السنوي ، في حين تتميز الطقوس الأيزيدية القمرية النورانية بإقامة الكثير منها ليلآ بإشعال النار في وادي لالش المقدس أو في ظل المعبد الذي يجري فيه التعميد في ماء نبع ساكن.
ومن الممكن الإستمرار في رصد مزيد من عناصر هذا التنافر التعاشقي الطريف بين الأيزيديين والصابئة ، لكننا بهذا سننحرف عما يمكن تسميته بحسن الرؤيا الكلية لمشهد الظاهرة التاريخية العام حين نهمل الصلة الجدلية التي تربط الصابئة والأيزيديين بجيرانهم المسلمين الذين يماثلونهم بنفس هذا التنافر التعاشقي الطريف فهم أيضآ طائفتين ، شيعة وسنة ، لديانة عريقة واحدة.
نحن إذن في وضع نحتاج به الى منظار إيكولوجي للرؤية المعمقة ، يشبه وضع منقبي الأثار حين يحفرون موقعآ أثريآ لمدينة قديمة فهم يتوغلون عمقآ محاذرين و جادين في تحديد كل طبقة وتاريخها وعمارتها ومخلفاتها الاثارية.هذا إذا تأكدنا أننا في موقع أثري فعلي وليس وهمي.وما هذه المقالة إلا محاولة لتحديد الخطوط العامة للموقع ، رسم مشهد بياني للظاهرة الدينية ، لهذه اللوحة التشكيلية الرائعة التي أبدعتها أنامل التاريخ ، والتي لا تكتمل ، ولا يكف هو عن الأضافة لها يوميآ بلا إنتهاء.ومن غير المهم أن تكون افتراضاتي عن الصابئة والأيزيديين وجيرانهم من المسلمين صحيحة تمامآ وكليآ ، المهم بالدرجة الأولى هو صحة الخطوط العامة ودلالتها وإيحاءاتها في تحديد الإطار العام والمنهجي الذي يمكن أن ينقل الباحث الى أفاق أوسع وأكثر موضوعية وعمقآ في تقصي الحقيقة.
ولنلق نظرة على ملامح مشتركة بين الصابئية المندائية والإسلام الشيعي. في المندائية يقترن ملاك النور هيبل زيوا بالشمس ، وهو الملاك الذي نزل الى عالم الظلام وأسر الروهة ، ملكة الظلام ، العالم المادي ، ليغنم كنوز هذا العالم وأهمها ـ سر الصلابة ـ وسر العناصر الأربعة ، السكيندولة ليعود وفي طريق عودته يلتقي بزهرائيل ، الزهرة ، وهي أيضآ من عناصر العالم المادي ويقترن بها ، كما تقول الأسطورة التعليمية ، لينتج من هذا الإقتران عالم الأفلاك.إن المنحى الشيعي في الإسلام هو منحى روحاني ، سري ، شمسي ، ضوئي ، إشراقي نشأ في جذوره في فترة إضطهاد المسلمين الأوائل ، الفترة المكية ، فهو إحتجاجي ، يساري النزعة ، وهي النزعة التي نلمسها في التراث المندائي.وتاريخيآ جاور الصابئة المندائيون الشيعة.
ويولي التشيع بفروعه وأماكن إنتشاره ، وبدرجات متفاوتة ، اهتمامآ دينيآ وفقهيآ خاصآ بالمرأة فلفاطمة الزهراء ـ ع ـ مكانة كبرى فهي أم الأئمة وبنت النبي ـ ص ـ .و بعض الشيعة ، مثل المندائيين ، يتجنبون ويمتنعون عن تناول أكل بعض أنثى الحيوان التي تحيض كالأرانب وسمك الجري أما المندائيون فيحرمون ، بإستثناء بعض أنواع الطيور والدجاج أكل أنثى الحيوان. إن التشيع في الإسلام يميل ، بهذه الدرجة أو تلك ، وتبعآ لفروعه ، الى التصنيف ضمن الإتجاهات الروحانية التي تهتم باللاوعي ، العقل الباطن أو النفس ، ومصيره بعد الموت ، تمامآ كما يمكن إدراج المندائية ضمن هذا التصنيف.
بعد الهجرة الى المدينة بدأت السياسة تتداخل في الدعوة الإسلامية ، بدأ إتجاه جديد واع وعملي ، إيجابي و ذكوري ، إنتقال تدريجي من سمات الطابع الشمسي الى سمات الطابع القمري ، مما هو روحاني ، جوهري و أثيري الى ماهو مادي ، ظاهري وملموس ، وبالتعبير السايكولوجي من العقل الباطن المتلقي والمختزن والمنفعل الى الوعي العملي ، المخطط والفاعل ، من المعارضة الى السلطة ، ومن الأخلاق الى التشريع ، من الأخ الإمام على ـ ع ـ وال البيت والصحابة الأولين المقربين الى الصحابة بالمعنى العام والقبيلة إتجاهآ الى قريش ، وإختتامآ بإحتواء بني أمية فإختتام النبوة أي وبإختزال شديد ، الإنتقال من الباطن الى الظاهر ، من السر الى العلن ، ومن الإمامة الى النبوة .كانت ديانة قريش ديانة قمرية مشتقة عن ـ الأيزيدية ـ الأم السائدة ، كما نفترض ، في حران المقر الرئيسي لسين ، القمر ، ومن الممكن الإفتراض أن المندائيون كانوا يجاورون ـ الأيزيدية ـ كطائفتين من أصول عريقة رافدينية واحدة رغم أن المقر الرئيسي للمندائيين كان البطائح أو بابل والطيب.بعد فتح مكة كان الإسلام قد تكامل موازنأ بين مفردات و طقوس وعناصر ركنيه الشمسي والقمر
ي ، الشيعي والسني ، الروحاني والسياسي ...الخ.وتم في ظروف يمكن أن يكشفها البحث الأكاديمي ، نقل السناجق الحرانية ـ الأيزيدية ـ من الكعبة الشريفة الى مقرها الأصلي في معبد سين في حران.إن المتصوف عدي بن مسافر 471 ـ 557 ه حين وفد الى الأيزيدية ـ الديصانية ـ المشتقة من التسمية السريانية الكلدانية ـ دسناية ـ ذات الصلة بالزرادشتية ، وأقام في وسطهم كان يعرف أنه إنما يعود الى جذوره ، سناجقه ، وكان من المفترض أنه على دراية بالكثير من هذه الحقائق ولذلك تقبله القوم لأنه على معرفة بلغتهم الروحانية والطقسية. والديصانية قريبة من إسم الديسانيين الذي يطلقه الأيزيديون على أنفسهم ويرى الأستاذ زهير كاظم عبود في كتابه ، الأيزيدية طقوس وخفايا وأساطير ، أن هذه الكلمة مأخوذة من ( دئيف سنة ) أي عابد الإله.وفي تلك الحقبة الصعبة من الخوف الديني والقلق الإجتماعي بدأ الإنحسار التدريجي للصابئية و بدأ الفرز التاريخي بين المندائيين والأيزيديين فاستقر المندائيون جنوبآ مع الشيعة المسلمين حيث يجب أن يستقروا وظل الديسانيون أو الديصانيون في موطنهم الأصلي مع السنة المسلمين وصاروا يعرفون باليزيدية ، أو بالأيزيدية و
هي التسمية الأكثر إرتباطآ بالحقيقة الدينية . وعمومآ الأصالة التاريخية هي الأهم فالأيزيدية في كل طقوسها الموجبة الذكورية وتقاليدها هي صابئية قمرية تعظم الوعي ، الروح ، وتؤمن بعودته بعد الموت الى الحياة بالتناسخ كطريق أساس للعقاب والثواب ، في حين تعظم الصابئية المندائية ، وفي كل طقوسها الشمسية ، اللاوعي الأنثوي ، النفس ، وتعقب مصيره الأثيري بعد الموت الى عوالم النور أو المطهر أو الجحيم.ومما يلفت الإنتباه الربط المتشابه والإتفاق الضمني بين الأستاذ زهير كاظم عبود الذي درس وعايش الأيزيدية والليدي دراور التي درست المندائيين وعايشتهم لسنوات أيضآ فكل منهما يربط الديانتين بالزرادشتية وبالأخص البارسيين ويؤكدان الجذور المشتركة لهما . لكن المرحومة الليدي دراور عجزت عن تتبع وإيجاد جذور للمندائيين في إيران ولو كانت على معرفة بالأيزيديين وطقوسهم وتاريخهم لكانت على الأرجح لم تغير إستنتاجاتها كما فعلت فيما بعد لتربط ديانتهم بأصول غربية فلسطينية هي ثانوية ، كما نعتقد ، إزاء أصولهم الرافدينية.
وكما لا يتكامل الإسلام و تصعب دراسته بدون الربط الجدلي بين قطبيه الرئيسيين ، الشيعي والسني وأصوله الحنفية و الصابئية الطقسية والتاريخية والفكرية، كذلك تصعب دراسة الديانتين الصابئية المندائية والأيزيدية بدون مقارنة بينهما .إن كل ما يطلق عليه المندائيون في كتبهم وطقوسهم ـ نازل ـ أو مبطل أي غير ديني له ارتباط بالديانة الأيزيدية وحتى ثمة تراتيل في كتاب قلستا المندائي أيزيدية الطابع ومنها الترتيلة ـ 159 ـ التي تمتلك نكهة الأداء الموسيقي الإنشادي للقوال .
إن الديانة الأيزيدية هي أصل مؤثر وليست فرع متأثر تمامآ مثل المندائية.وقريش هي التي إشتقت بعض عناصر ديانتها وطقوسها من حران وليس العكس ، علمآ بأن مكة كان يطلق عليها إسم مكا ربا وهو إسم ارامي وربا صفة كثيرة الورود والتكرار في الكتب المندائية.وما يتصوره البعض من عناصر شكلية مكتسبة من الإسلام في الأيزيدية هي في جوهرها الديني والتاريخي عناصر أيزيدية أصيلة لا علاقة لها بيزيد بن معاوية أو غيره ، لكن المؤرخين العرب غالبآ ما يضعون العربة أمام الحصان كما يقال.والأيزيدي حين يقول أن إسم إلهه مشتق من إيزيدان ، تموز ، طاووس ، تاوز البابلي فهو يعرف هذه الحقيقة في قرارة وعيه الجمعي. وقد ورد اسم اله الأيزيديين في رسائل إخوان الصفاء ، وهم من أصول شيعية صابئية أساسآ ، في القرن الرابع الهجري أي قبل زمن مجيء عدي بن مسافر بحوالي قرنين وفي الرسالة الرابعة والأربعين كرمز للنور الإلهي تمامآ كما يرد في الزرادشتية والمجوسية حيث يقولون ـ أوهل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة افريحون ـ وقد يكون المقصود بفسحة أفريحون هو وادي لالش المقدس لدى الأيزيديين.ثم يذكر إخوان الصفاء
عاذيمون الذي يقترن في الغالب بالنبي إدريس أو دنانوخ المندائي ، أو أنانوخ اليهودي ، أو هرمس الهرامسة وهو رمز العرفان ، حيث يعقبون القول مباشرة ـ أو هل لك أن تدخل هيكل عاديمون ، حتى ترى الأفلاك يحيكها أفلاطون ، وإنما هي أفلاك روحانية ، لا ما يشير إليه المنجمون ـ ص10 ، رسائل إخوانالصفاء وخلان الوفاء ، المجلد الأول.
إن هذه الإشارة من إخوان الصفاء الى إله الأيزيديين وعاذيمون وأفلاك معبد حران المعروف تعزز وتؤكد تواجد الأيزيديين والمندائيين كفرقتين متعايشتين ومتداخلتين انذاك في وادي حران قبل أن تفعل فعلها أسباب الإضطهاد فيهما فتفترقان وتستقلان جغرافيآ ودينيآ.
وقد يثار سؤال عن المبرر من هذا الإستخدام السايكولوجي لمفهومي الوعي واللاوعي في هذا الطرح .وللإجابة نقول أن مختلف أديان العالم يمكن تصنيفها وبدرجات متفاوتة ضمن حقلين وفقآ لمفهومي الوعي واللاوعي ، وكل تاريخ الأديان يبدأ بالإنفصام التاريخي بين وعي الإنسان ولاوعيه ، والذي تم التعبير عنه دينيآ بأساطير خروج ادم وحواء من جنة عدن أي الروح والنفس بالمصطلح اللاهوتي.والديانتان المندائية والأيزيدية هما من الديانات القليلة التي مازالت حية ومتواصلة وتحمل في بنيتها وطقوسها وتراثها اثار تلك الحقب القديمة التي بدأ بها تاريخ الإنسان والأديان ، وهو موضوع سنتطرق له ونتعمق به لاحقآ.
 

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي