wrapper


ديصاي


العالم والفيلسوف المندائي
 
الربي رافد السبتي

في عاصمة القسم الشمالي من بلاد ما بين النهرين ( بيت نهرَواثا )، في مدينة طريق الحياة ( إورهاي ) حيث أخذ منهم العرب هذا اللقب فقالوا ( الرّها )، التي تدعى الآن في تركيا ( اورفا )، في هذه المدينة العريقة يتجمع ويصب نحو عشرين جدولا ً في نهر صغير يسمى ( ديصاي ) ويدعوه الأتراك الآن ( قره قويون ). يقطع المدينة من شمالها الغربي إلى جنوبها الشرقي حيث يلتقي نهر ( كولاب ) الذي يمر rafed shee5 198x240بمدينة ( حران ) فيصبان كلاهما في نهر ( البليخ ) أحد روافد الفرات. كانت ( الرّها ) مدينة مسوّرة محصنة لا يمكن الدخول إليها إلا من خلالّ ستة أبواب. ولم يكن للمسيحيين فيها اي وجود حتى سنة 201 م.  في تلك المدينة وعلى ضفاف نهرها ديصاي ولد فيلسوفنا المندائي العظيم وسُمِّـي ديصاي ( نسبة إلى هذا النهر الخالد ) الذي كان يروي مملكة الرّها. وديصاي إسم من كلمة ديصا التي ترد في اللغة المندائية بمعنى الجَذل والبهجة وما أجمل أنْ يُنسب المرء إلى الأشياء الخالدة.
ولد ديصاي عام 154م من ابوين حسيبين هما ( نوهاما و نهشيرام ) لأسرة علم وأدب وعز ، ونشأ في قصر يملكها ( معنو ) وكان في طفولته رفيقا لأمير الرّها وملكها فيما بعد ( أبجر الثامن )، كان ديصاي مندائيا ً متحمِّسا ً وداعيا ً إلى التوحيد، وكغيره من الفلاسفة بنى تديّنه على فلسفته التوحيدية بالحي العظيم المبنية على كتابنا المقدس ( كَِنزا ربا ) والمعتقدات الخاصة بالقضاء والقدر تحت تأثير الأفكار الإغنوصية والتي تؤمن بأنَّ النفس لا تولد ولا تموت الخ. لذلك اتخذت الكنيسة المسيحية منه وقتذاك موقفا متشددا ً واعتبرته متورِّطا ً في معتقدات ٍ غنوصية ( مندائية ) ممّأ أدّى إلى اضطهاده. وكانت الخسارة فادحة حين تم إتلاف مؤلَّفاته القيمة وكتبه النفيسة. فقد ذكر المؤرخ يوسفوس اليهودي أنَّ ديصاي كان موهوبا ًوكتب مجموعة من المقالات والبحوث والردود باللغة المندائية ضد مذهب مرقيون وضد العقائد الفاسدة.
كان ديصاي متقدما بين الكتَّـاب البلغاء عبقريّا ً وفيلسوفا ً جليلا ً، وقد استطاع أنْ يُلبِّـي ميوله العلمية والفلسفية بفضل معرفته العميقة للغتين المندائية واليونانية على قدم المساواة، حيث كان مُتبحِّرا ً في العلم المندائي والثقافة اليونانية.
أعمـالـه:
صنَّف ديصاي باللغة المندائية كتبا ً في شتَّى العلوم وللأسف الشديد لم يبقَ منها إلاَّ القليل القليل جدّا ً. بسبب ما سبق ذكره. كما نقل كتبا ً عديدة من اليونانية إلى المندائية وبالعكس.

أ ـ  في الدين المندائي:

وضع ديصاي كتاب اسماه الجَذل الصغير ( ديصاي زوطا )، يبحث في الجلال العليا للحي حيث الحياة والنور والحقيقة " عالم النور ـ الما إد نهورا " ويقارن بين الظلام واللعنة والعقاب " الجحيم السماوي ـ بدوني إلايا ". وحسب رأي دَنانوخت انه كتاب صغير الا ان َّ قيمة أقواله كبيرة.
ب ـ في الفلك:
وضع هذا الفلكي نظريّات وكتبا ً في علم الفلك ومن ذلك كتاب الأبراج ( أسفَر مَلواشا ) باللغة المندائية، وكتاب القدر وكتاب ( حول المتحرك والساكن ) يتحدّثُ فيه عن حركة الكواكب ووضع النجوم. ويتضمَّن هذا الكتاب القيِّم معلوماتٍ وأُسسا ً لحساب الزمن وتحديد الأوقات، كما عمل بالحسابات الفلكية حيث عُثِر على جدول ٍ فلكي يحمل اسمه يتضمَّن دوران الكواكب ومدَّة زمن دوران كلِّ منهـا ومسار أفلاكها بدقة علمية، وكذلك للقمر. وقد بنى مضمونها على المعتقدات والعلوم الفلكية التي تمَّ بلوغهـا من بلاد ما بين النهرين لحركة النجوم والأفلاك حيث استطاع مُنجِّموا الكلدان أن يضعوا لوحةً فلكية تقويمية دقيقة إلى حدٍّ كبير عن التغيرات الفلكية الطبيعية المتوقِّعة على مدار السنة بأكملها وقد دُوَِّنوا بشكل خطِّي جميع التغيرات التي تحصل في حركة النجوم والكواكب، ورسموا بنجاح عظيم أماكنها ( منازلها ) ودرجاتها ومداراتها وزواياها ممَّا يُؤكِّد أنَّ علماء الجو الحاليين يقيمون نظرياتهم وأعمالهم على تلك الأسس والمقاييس.
ج ـ شرائع البلدان:
كتاب فلسفي قانوني علمي جاء بشكل محاورات. وتقول العالمة الروسيَّة ( نينا بيغوليفسكايا ) في كتابها ثقافة السريان في القرون الوسطى:

" يتضمَّن هذا المؤلّف الغني معلومات عن العادات والقوانين السائدة في بلدانٍ مختلفة والتي تجسِّد فعلاً سعة علم واطلاع وتنوّع اهتمامات ومعارف هذا العالم الكبير وإنَّ الأغلبية المطلقة من أخباره ومعلوماته صحيحة ودقيقة تتضمَّن قيمة علمية كبيرة سواء ما كان منهـا في المجالين الإثنوغرافي والقانوني أو في مجال البرهان على المستوى الرفيع للمعارف وتصوّرات ديصاي عن الشعوب الأخرى."

وتجدر الاشارة هنا إلى أنَّ التوافق كان كبيرا بين تصورات ديصاي المعلوماتية عن الشعوب المعروفة والمشهورة في الكرة الأرضية " في ذلك الحين " والمعطيات الاغريقية واللاتينية التي كانت تعطي وصفا ً كاملا ً للعالم. مع العلم أنَّ آراء ونظريَّات ومعلومات ديصاي تسبق المصنفات الاغريقية بمدَّة ٍ زمنية ٍ لا تقل عن مئة عام. لذلك فلا عجب أنْ يبني أغلب العلماء وأصحاب النظريات الحديثة في هذا المجال علومهم على الأسس التي وضعها علماء المندائيون في الشرق والممتدَّة فيما بعد إلى الغرب.
د ـ الأدب والشعر:
ألَّف ديصاي المزامير والتسابيح الواحد والخمسين والتي نُحِلَتْ إلى سليمان الحكيم وهي على غرار وتر تراتيل كتاب الأنفس ( سيدرا إد نِشماثا ) ومزامير داؤد النبي عالية الإنشاء وسابقة الأسلوب وجميلة المعاني. تحيطها النفحة الشعرية من سائر نواحيها يشتمل أكثرها على مناجاة عذبة وتسابيح سبحانية للحي العظيم والاعتصام بحبه وتعلق الرجاء الوحيد بوحدانيته والاجهار بقدرته وعظمته غير المحدودة، وقد عمد العلماء إلى دراستها من حيث الزمن والمقال والفحوى فرأى الغالب منهم أنّها مؤلَّفة في زمن ديصاي وهي بالتالي إحدى مؤلفاته وذهب البعض أنَّها من مؤلفات أحد تلاميذه.
وهنا يراودنا سؤال مهم : كيف يمكن لمن يكتب ويترنَّم بهذه التسابيح وهي مفعمة بروحه المؤمنة الصالحة والتوَّاقة إلى الاعتصام بالحي والإيمان الكلّي به ويكون في الوقت نفسه متورِّطا ً في ديانة وثنيَّة كما يعتقدون هم، وأن يضطهدوه على ذلك الظن الباطل؟ والحق أنه مؤمن بما يخالف عقيدتهم وما إضطهادهم له إلا دليلا على الخشية منه ومن قدراته.
ولا بدَّ من الاشارة إلى سمة رفيعة من سمات شخصية ديصاي المبدعة تلك هي موهبته الشعرية التي أورثها لابنه سرمينوس حيث يُذكر أنَّ ديصاي كتب مئة وخمسين نشيدا ًعلى طريقة كتاب الأنفس ( سيدرا إد نِشماثا ) ومزامير النبي داؤد وقد ضمَّنها آراءه اللاهوتية ولقَّنها للشبيبة المندائية في مدينة الرّها بعد أنْ وضعها بألحان عذبة تخلب الأفئدة، وقد إستفاد مار أفرام السرياني من هذه الأشعار بعد أنْ أدخل عليها آراء العقيدة المسيحية الأرثوذكسية وفي بعض الحالات حافظ مار أفرام على المضمون أيضا ً ليستخدمه في مناقشاته اللاحقة ضد آراء ديصاي.
وممَّا لا شك فيه أنَّ الشعر النصراني الحديث مدين بكثير من أشكاله وصيغه لديصاي الذي وضع بعض الأوزان الشعرية والإيقاعات الجديدة في التوشيحات الشعرية.
ويذكر مار أفرام السرياني أنَّ الأناشيد والأغاني التي أبدعها ديصاي ومدرسته كانت ذات جاذبية عظيمة في صفوف الشبيبة الأمر الذي اضطرَّ هو نفسه وبعض أبناء الكنيسة المسيحية إلى تلحين بعض النصوص الانجيلية والعقائد الأورثوذكسية لـتُغنَّى من قبل الناشئة ردَّا ً على الانتشار الهائل لأغاني ديصاي وأناشيده في الأوساط المذكورة.
توفي هذا الشاعر الفيلسوف والفلكي في المنفى في جبال ارمينيا عام 222 م. ولم تستطع كل انواع الاضطهادات التي تعرض لها التقليل من شأنه وشأن ديانته أو طمس حقائق تقدمه وتفوقه. ومهما قيل في معتقده المندائي من قبل الاخرين فهو علم من أعلام الأدب والعلم، وكوكب مُشعٌّ وضَّاء في الثقافة المندائية وقد ساهم في ديمومة الديانة المندائية التي تم إحياؤها على يد النبي والرسول العظيم يهيا يوهَنا. فهو علاّمة في اللغتين المندائية واليونانية، وهو فلكي لامع له جداول علمية في حساب حركة الكواكب والنجوم وهو الملحِّن العظيم والموسيقي البديع.

لقد جاء في الكنز العظيم ( كَِنزا ربا ) في كتاب دَنانوخت صفحة 14:203 ما قاله ديصاي في كتابه ( ديصاي زوطا ـ الجذل الصغير ) والذي إستند إليه دَنانوخت في المعرفة ما نصه:  " إكا هيي، إد هون من لاقادمي، وإكا كُشطا، إد هوا من قودام بريشا، إكا زيوا، إكا نهورا، إكا موثا، إكا هيي، إكا هشوخا، إكا نهورا، إكا طيّا، إكا شرارا، إكا هبيلا، إكا بنيانا، إكا مهيثا، إكا أسوثا، إكا كَورا يَتيرا إد قشيش من قودام بَنيا إشُمي وأرقا ".

الترجمة  " موجود هو الحي، منذ الأزل، وموجود العدل ( كُشطا )، الذي كان منذ البداية الأولى، يوجد ضياء، يوجد نور، يوجد موت، يوجد حياة، يوجد ظلام، يوجد نور، يوجد ضلالة، يوجد حقيقة، يوجد تدمير، يوجد بنيان، يوجد دنس، يوجد شفاء، يوجد كائن ثري هو أقدم وسبق في وجوده من بناء السماء والأرض ".
إن هذا الكشف عن هذه الشخصية المندائية نقدمه للمندائيين جميعا ورجال الدين والمتنورين والمتابعين خاصة من أجل مزيد من البحث والتقصي بشأن هذه الشخصية المندائية التي أثرت في تراثهم العقائدي والتي بمزيد الكشف عنها يمكن أن نزداد فخرا بمعتقدنا وبتراثنا وأن نبني عليه كما بنى الأولون. وهذه دعوة مني لتقفي آثار ديصاي والكتابة عنها.  


--------------------------------------------------------------------------------


 مراجع

1 ـ كَنزا ربا ( الكنز العظيم ) الكتاب المقدس للصابئة المندائيين ص. 203 طبعة سدني.

2 ـ اللؤلؤ المنثور للبطريرك مار أفرام برصوم ص. 191 ـ 195.
3 ـ ثقافة السريان في القرون الوسطى للعالمة الروسية نينا بيغولفسكايا ترجمة الدكتور خلف الجراد ص. 173 ـ 182.
4 ـ معجم البلدان لياقوت الحموي البغدادي ج. 4 ص.. 320.
 
5 ـ كتب ومقالات أخرى متنوعة .

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي