Print this page
 
 الـعـَـلاقـَـــة ُالـْـجـَـدَلـِـيـّـة   بين  الـلـّغَـة المَـنـْدائـيّـة و الـْــفِـــكـْــر الــصــابــئـِي

 المحامي
عماد عبد الرحيم الماجدي

( إن الـفـكـر وجـه مـِـن وجـوه الـنشاط الإنساني ... وإن الـفرد الذي لا يُـحِـسن الـتـعـبير اللـغـوي ، لا يمكن أن يـعـبـّر عن فكره تـعـبيرا واضحا ولا يمكن أن يفكر تفكيرا سليماً .)
الدكتور عـمر فـرّوخ     

مـِـن الأفضـَـل الوقوف على مـُـفـَردات الموضوع وتعريفاتها ، كما جاءت على لسان أساتـذتـنا المختصين في مثل ذلك .
 


 
 

العلاقة : عرّف اللغويون العلاقة بقولهم :  هي الإرتبـاط ما بين إنسان وإنسان ، وما بين شيئ وشيئ من جهة كونهم من أصل واحد أو يرجعان إلى منحى أو عمل مشترك أو زمان أو مكان واحد ، ونحو ذلك .

 وعرفـّها الماديـّـين : بأنها شَـكل من وحـدة الأشيــاء و الظواهر وصفاتها . ففي صلب العلاقة يقوم وجود أمر عام بين اثنين أو أكثر من الأشياء التي ترتبط بهذه العلاقة . وهناك أنماط مختلفة من العلاقات ، التي تربط بين شيئين أو أكثر . فهناك مثلاً : علاقات السبب والنتيجة ، وعلاقة الأصل ، إن العملية المعرفية ، حين تقيم علاقة بين الأشياء أو صفاتها ، إنما ترتكز إلى الوحدة المادية لهذه الأشياء .

الجـدلية : هي مذهب للتطور . فكل شيئ خلقه الله الحي المزكى على هذه الأرض خاضع للتطور ، ومنها فعل الإنسان ، فكره ،  سلوكه ولغـته ، وغيرها الكثير مما هي  من مختصاته . والجدلّـي : الـقابل للمناقشة .
 
الــلـــّـغـَـــة : وجمعها لـُـغـى ولغات ولغـون : الكلام المصطلح عليه بين كل قوم  .
 
الـْــفـِـكـر  :  في الاصطلاح ، حركة عقلية بين المعلوم ، حركة عقلية وقوة مدركة يكتشف الإنسان عن طريقها القضايا المجهولة ، فتنمو معارفه وعلمه وأفكاره في الحياة . والفكر في اللغة :
إعمال الخاطر في شيئ

فاللغة إذن هي فعـل إنساني خالص ، يتميز من خلالها الإنسان عن غيره من المخلوقات ، ومن خلالها يحقق وجوده وتناغمه مع المحيط الذي يعيش فيه ، وركيزة أساسية في بناء التفاعل الإيجابي مع كل ما يحيطه من مفردات الطبيعة ، فهي ( اللغة ) فعل وحركة وإنجاز وتفاعل وإبداع

ولما كان الفكر كما ذكرنا ، هو حركة عقلية للإنسان . إذن فإن اللغة والفكر هما من مختصات الإنسان وحده ، والذي يتميز بهما عن ما خلقه الله الحي المزكى من سائر المخلوقات . وإستناداً لذلك فإن الإنسان من خلال فكره حقق إنسانيته وبَـسَـطـَـها على محيطه ، وأبناء مُـحيطه من المخلوقات الأخرى ، وبالتالي أصبح سيداً للطبيعة بل مالك لها في هذه المرحلة التي يعيشها .

لما تقدم ، تمكن المخلوق ( الإنسان ) ، أن يحقق إنتصارات باهرة علمية وإنسانية في مختلف المرافق الحياتية ، مرتكزاً لـفـكر واعٍ ولغة واضحة قادته إلى هذا التفاعل المستمر بينه وبين الطبيعة التي خلقها الهيي ربي وسخرها إليه .

ما ذكرناه لا يدفعنا مطلقا للاعتقاد ، أو التفكير أبداً ، بأن هناك فصل بين اللغة والـفكر ، ولا يمكننا الخوض في اللغة بمعزل عن الخوض في الفكر ، فكلاهما مرتبط بالآخر ، بعلاقة جدلية ، فاللغة تكون وتزدهر وتنمو من خلال الفكر ، والفكر يشترط اللغة للتعبير عنه بغية تحقيقه .

ولا يمكننا من خلال العلاقة الجدلية ما بين اللغة والـفـكـر، أن نتجاهل العلاقة التفاضلية التي تفصل بين الاثنين ، أي تفضيل أحدهما على الآخر ،  فمن الفلاسفة والمفـكّرين من قال بتفضيل الـفـكر على اللـّـغة  ، ومنهم آرسـطو وديكارت ، حيث ذهب ديكارت إلى القول : إن الـفـكـر هو لحـظـة تـسـبق اللـغة ، واللغة تستمد وجودها من الـفـكـر ، وما بينـّـه ديكارت  من قراءة ،  تعـطي للفـكر قيـمة أكبر من اللغة ، وهي نظرة قيميـّـة تفـَـضـّـل الفكر على اللغة لأن الفـكر كي يـكون لحظة فـعـلـّـية لابـُـد وأن يـَـستند إلى اللغة .

 وهذا ماذهب إليه ( دي سويسـيـر ) حيـنـمـا قال : إن الأفكار مركزة في الذهن ، وليس هناك أي شيئ يمكن أن يكون واضحاً قبل أن يلتف باللغة 

يمكننا أن نستنتج ، ومن خلال ما تم الوقوف عليه من تعـاريف وآراء فلسفية وفكرية ولغوية ، من إن اللغة والـفـكـر ،  شيئان مرتبطان متلازمان في علاقة جدلية ، من خلال القول بأن اللغة لا تـَـتحقق إلا من خلال الفـكر ، والفـكر لا يتحقق إلاّ من خلال اللـغـّـة التي يستند عليها  والتي  تعبر عنه وتظهره من خلال صياغته بها .  لذا يمكننا القول من أن الإنسان الذي يملك فكراً ، يحتاج إلى لغة يعبر فيها عن هذا الفـكـر ، والإنسان  غير الواعي فكرياً ، لا يستطيع من خلال ما يملكه من لغة عالية أن يعبـّر عن فكر معين . وهذا دليل قائم وواضح  يؤيد عدم إمكانية فصل اللغـّة عن الفكر .

اللغة المـَـندائية كغـيـرها من اللغات ، إلاّ أنها مقـَـدسة ، كـونها لـُـغة آدم [ عليه السلام  ] ، والـلغة كـما ذهـب إلـيه أساتـذتـنا اللغـويـّين من أنها الـكـلام المـصطـلح عـَـلـيه بين كل قـوم .

الصابئة المندائيون قومُ مسالمون ، كما هو ثابت تأريخيا ، شغـلوا مساحة واسعة في التأريخ الإنساني ، ولا تـَـزل بصماتهم واضحة فيها وعليها ، ولن تندرس أو تــُمحـى مهما حاول البعض  ، من تغييبهم عن الحضور التأريخي وحِـقـَبه البيضاء . وكما هو معروف أن الروابط والعلاقات الإجتماعية بين أفراد إي مجموعة إنسانية في عالمنا هذا ، إنما هي المنطلق بل قد تكون الأساس لمعرفة تـقدّم هذه المجموعة من الناس من عدمـِـهِ .

وإن إستطعنا الوقوف على تقدم ، أو تأخر تلك المجموعة ، علينا أن نقف على طبيعة علاقات أفرادها مع بعضهم ، ومع بقية المجموعات التي تحيط بهم من مختلف الأجناس والأديان .

 إن الروابط الإجتماعية التي يقوم عليها أي كيان إجتماعي ، إنما هي روح تلك المجموعة . وروح هذه المجموعة ، تعبر حتما عن تقدم ورقي ، أو إنحطاط وانحدار فـكرهـا ولغتها المعبرة عن ذلك الـفـكر .

لقد كانت العلاقات والروابط الإجتماعية بين الصابئة ، في قمة ازدهارها والى حد قريب ، وكانت لغتهم المندائية ، وكونها لغة دينهم ، تعبر عن فكر يؤطر ويرسم تلك العلاقات ، من خلال ما جاء في كتبهم الدينية المقدسة ، وموروثهم التأريخي الإنساني الغني ، المتمثلن في علومهم وفنونهم التي نبغوا فيها وأضافوا عليها والتي رفدوا بها الحضارات الإنسانية بمختلف أدوارها وأطوارها :                                                        

* من أخطأ منكم فقوموه وأسندوه * فإن أخطأ ثانية فقومـّـوه وأعينوه * فإن أخطأ ثالثة فأرشدوه ، والصلاة والتسبيح لله أسمعوه ]
 
كما برز الفكر الديني الصابئي ، على يـد رجال دينه المؤمنين الصديقين  من خلال أفعالهم تطبيقا لما يؤمنون به ، ومن خلال لغتهم الدينة المتداولة بينهم وبين عامة أهلنا الصابئة .

العقيدة الصابئية والفكر الصابئي ، إزدهرا في عصر أجدادنا لقربهم [ أجدادنا ] منهما ، و ذبلا في عصرنا لإبتعادنا [ نحن ]  عنهما وهجراننا لهما ، ومن قــَرُب منهما ، إزدهرت روحه ، واتقد ذهنه ، وكبر عقله واطمأنت سريرته ، ومن هجرهما زاغت روحه وذهب عقله واضطرب ذهنه وقـلقت سريرته ، لكنهما قائمان لأن الخلل فينا وليس في ديننا الصابئي المندائي الحنيف ، والعقيدة والفكر الصابئيان ، هما مرايا يعكس جوهرهما الانسان الصابئي ، وإبداعه وتطوره والتي يعبر عنها بلغـته المندائية المقدسة .

والعقيدة والفكر ، هما أهم المفاصل في أزمتنا الحالية ، التي نعيشها ونحياها . الكثير منا حاول ولا يزال يحاول ، البحث أو الوقوف عن مخرج أو منفذ ، ليرسم من خلاله حلولا لمعالجة هذه الأزمة دون جدوى وذلك لوقوعنا بخطأ كبـيـر،  يـَـتـَـمـَـثـلـَـن في الخلط بين العقيدة والفكر والمنهج ، والنظر إليها على أنها جميعا شيئ  واحد .

 لقد استقر أساتذتنا الأفاضل ، في تعريفاتهم للعقيدة والفكر ، فالعقيدة عندهم هي البداية والأساس والمنطلق لفكر الإنسان وسلوكه ولكل نشاطه ، وهي مجموعة الأفكار والمفاهيم التي يؤمن بها الإنسان للكون والحياة .

والفكر كما عرفوه لغة : إعمال الخاطر في شيئ .
وعرّفوه اصطلاحاً : حركة عقلية بين المعلوم والمجهول ، حركة عقلية وقوة مدركة يكتشف الإنسان عن طريقها القضايا المجهولة ، فتنمو معارفه وعلومه وأفكاره في الحياة ، اما المنهج أو الطريقة كما يطلق عليه أو يسميه البعض فهو :


إسلوب الفعل البشري والنظري الهادف إلى امتلاك ناصية الموضوع ، وهو اسلوب تحصيل النتائج الجديدة في الفكر .

 واللغات ، ومنها اللغة المندائية المقدسة : هي الكلام المصطلح عليه بين الصابئة ، والمعبر عن دينهم وعقيدتهم وفكرهم الصابئي ، ومنهجهم أو طريقتهم ، أو أسلوبهم في التعامل . ولما كان الـفكر لحظة [ فعلية ] للإنسان الصابئي ، فلابد له إذن أن يستند ، أو أن يعبر عن تلك اللحظة لفعله بلغته ، والتي هي لغة دينه ، وعقيدته ومنهجه وفكـره الصابئي القويم .

علينا يا أبناء مندا إد هيي تعلم اللغة المندائية .. لغة سهلة جدا للغاية وصعوبتها تكمن في عدم رغبتنا لتعلمّها  ، لـنبـدأ من الـولـيـد الصابئي  لـنـبـدأ.

إن الـغـُصونَ إذا قـَـوّمتها اعـتـَـدلـَت ـ ولا تـَـليـنُ إذا كانت من الخـَـشـَبِ

المحامي
عماد عبد الرحيم الماجدي
 
Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015