wrapper

فائز الحيدر
يشهد العالم ومنذ سنوات عديدة موجة خطيرة من الأرهاب ، واستهدفت أهدافا" مختلفة وراح ضحيتها الألاف من الأبرياء . وأصبح الأرهاب اصطلاحا" يشغل حيزا" كبيرا" في الصحافة العالمية ، كما أصبح كابوسا" يخلق الرعب في نفوس الناس في المجتمعات المختلفة وخاصة بعد التطور الهائل في مجال الفضائيات ودخول الأنترنيت في كل بيت ، وهي تنقل لمتابعيها من جميع أنحاء العالم وبسرعة صور الحوادث المروعة وآثارها وضحاياها المقطعة بين أنقاض البنايات السكنية والمدارس والمستشفيات والأسواق المدمرة أو على أرصفة الشوارع أو في وسائل النقل . وهذا ما نشاهده يوميا" في بغداد والمدن العراقية الأخرى .
كما أصبح الأرهاب ظاهرة عالمية لا تتحدد في منطقة أو دولة أو قارة بوحدها . حيث أصبح يمارس بأساليب مختلفة وتستعمل فيه أحدث الأبتكارات العلمية بما فيها الأسلحة الكيمياوية ، وبات القائمون بالأرهاب ينتمون الى جنسيات عديدة ومختلفة والى عقائد ومبادئ وديانات مختلفة .
والإرهاب في اللغة العربية جاء من الرهبة و التخويف اما كلمة "Terror" في الإنجليزية فهي لا تعني التخويف والرعب بل تعني عملياً ابادة للبشر لاسباب عديدة ، وهناك عدة تعاريف لمفهوم الأرهاب منها :
1 ـ عرفه البعض بانه أي عمل يتم فيه أستخدام العنف والقوة ضد المدنيين ويهدف إلى إضعاف الروح المعنوية للعدو عن طريق إرهاب المدنيين بشتّى الوسائل العنيفة .
2 ـ و البعض الآخر من المتطرفين Extremist فعرفوه بأنه نوع من استخدام القوة و السلاح لاثارة الرعب في نفوس أعداء المسلمين مستندين الى الآية القرآنية : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) سورة الأنفال : 60
ومهما يكن الخلاف في النقطتين اعلاه ولعدم وجود تعريف دولي واضح لمفهوم الأرهاب ، يمكننا ان نقول عن الأرهاب Terrorism بأنه :
(( هو العنف Violence ، اي الرعب والخوف الذي تقوم به جماعة أو أفراد أو شخص أو دولة أو منظمة لغرض أستهداف ضحية بريئة والقضاء عليها بأساليب عنيفة ولأسباب أقتصادية أوسياسية أو دينية أو قومية بهدف خلق الرعب والهلع في المجتمع ، مما يحقق بذلك النتائج المخطط لها )) .
وهنا علينا الأنتباه وعدم الخلط بين الأرهاب وبين حركات التحرر التي تناضل من اجل حقوقها ، فهناك انظمة سياسية عديدة في العالم يسودها الظلم والأستبداد والأضطهاد القومي والتطهير العرقي بحق الشعوب والقوميات والأثنيات والمذاهب الدينية واغتصاب الحقوق الفردية والجماعية وعدم تكافؤ الفرص والمساواة امام القانون في الحقوق والواجبات ، هذه الأسباب وغيرها قد تدفع هذه الشعوب لتشكيل حركات وطنية تهدف الى ازالة هذه الأنظمة الغير ملتزمة ببنود الميثاق الدولي . ان هذا النموذج من النضال مشروع وفق احكام وقواعد القانون الدولي ولا يمكن اطلاق عبارة الأرهاب عليه ، وهذا ما تؤكد عليه الكثير من المواثيق والأتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة .
وللولايات المتحدة الأمريكية طبعا" نظرتها الخاصة لمفهوم الأرهاب في العالم ووتتعامل معه وفق المفهوم الذي يتلائم مع مصالحها الأقتصادية الحيوية ، ونزعة التحكم في العالم ونهب ثروات الشعوب ، واتخذت من الأرهاب حجة أو ذريعة ضد الأنظمة والدول والحركات الوطنية حيث تفرض الأجراءات العسكرية والأمنية والعقوبات بحجة معاقبة الأرهابيين ، وتتميز سياستها بالخلط المتعمد بين نضال الشعوب وبين الأرهاب كظاهرة إجرامية والهدف هو اتخاذ الموقف المناسب من تلك الحركات بما يتلائم مع مصالحها . وهناك أمثلة كثيرة على هذه السياسة في العديد من البلدان لا نود الخوض بها الأن .
وفي العراق الذي يعاني من العمليات الأرهابية منذ ما يقارب الخمس سنوات ، عانت الأقليات الدينية فيه من الأرهاب والأضطهاد والقتل عبر تأريخها الطويل والذي يمتد لقرون عديدة ، وأزداد هذا الأضطهاد بالفتح الأسلامي لأرض أجدادهم أرض العراق في بداية القرن السابع الميلادي ، لغرض نشر الدين الأسلامي ، مستندين لقول النبي محمد الذي يؤكد على ( إن الأسلام دين الحق ) ، وعلى الأخرين من المسيحيين والمندائيين واليهود من أهل الكتاب فعليهم القبول بهذا الدين والدخول فيه مجبرين او دفع الجزية ، كما وعاملتهم الدولة الأسلامية فيما بعد بمنطق أهل الذمة وسط الأرهاب والأضطهاد لتغيير دياناتهم . اما في العصر الحديث فمذابح الأشوريين والأرمن من قبل العثمانيين والأنفال والتهجير والأبعاد القسري للكرد الفيليين لأيران من قبل ( المؤمن ) الطاغية صدام حسين ، والأضطهاد للصابئة المندائيين والمسيحيين والأيزيدين وغيرهم هذه الأيام خير شاهد على ذلك .
ومع الأسف رغم تعرض الأقليات غير المسلمة في البلدان الاسلامية الى الأضطهاد والأرهاب يوميا" فهناك من الباحثين وفقهاء المسلمين ينكرون وجود مشاكل للأقليات الدينية في الدول الأسلامية وبصدد ذلك يذكر ( محمد بن شاكر الشريف الباحث الشرعي بمجلة البيان في مقالة بعنوان وضع الأقليات في الدول الأسلامية ) حيث يقول : (( لا توجد مشكلة تتعلق بالأقليات في الدولة التي تقوم على أساس الإسلام )) . ويحملون أمريكا والدول الغربية المسؤولية بذلك .
وفي مقالنا هذا نركز على أحدى الأقليات الدينية العراقية الأصيلة من مكونات الشعب العراقي التي ساهمت ببناء حضارة وادي الرافدين منذ آلاف السنين ، هي طائفة ( الصابئة المندائيون ) هذه الطائفة الصغيرة المسالمة التي أرتبط مصيرها بأرض الأجداد العراق .
فالمندائيون هم أتباع اقدم ديانة سماوية توحيديه غير تبشيرية على وجه الارض ، ومن اهم كتبهم الكنز العظيم ( الكنزا ربا ) والذي يحوي على صحف آدم وشيت وادريس ونوح ، هذه الديانة التي ترفعهم الى مصاف بدايات الأديان والشرا ئع الموحدة في التأريخ . أتخذ الصابئة المندائيون من جنوب العراق وأيران وعلى ضفاف الأنهار موطنا" لهم لأرتباط طقوسهم الدينية بالماء الجاري ( اليردنا ) ، ولكونهم أقلية ، لا تؤمن بالقتل والعنف وتؤمن بالسلام فقد تعرضوا وعلى مر التأريخ للكثير من العمليات الأرهابية والأضطهاد الديني والسياسي والأجتماعي والأيذاء النفسي والأعتداء الجسدي لا لذنب أقترفوه سوى تمسكهم بديانتهم وعشقهم لتراب أرض أبائهم وأجدادهم .
‏لقد تعرض الصابئة المندائيون في العراق وأيران وخلال تأريخهم الطويل في الذي يمتد لقرون عديدة في العهد الأسلامي الى العديد من العمليات الأرهابية وجرائم الاباده الجماعية حسب المفهوم الدولي لأبادة الجنس البشري وكانت نتيجة ذلك مقتل وهجرة الألاف منهم وأجبار آلاف أخرى على تغيير ديانتهم الى الديانة الأسلامية ، وكان تكفير ديانتهم هي الذريعه المستخدمه لابادتهم .
ونتيجة لطغيان الثقافة العربية الأسلامية والأضطهاد طيلة قرون ، أنمحت لغتهم المندائية التي لا يتحدث بها إلا عدد قليل منهم الأن ، هذه اللغة التي تعتبر لهجة من اللهجات الآرامية الشرقية والتي كانت لغة التخاطب فيما بينهم ولغة كتبهم الدينية التي لم يفهمها محيطهم الأسلامي . وللسبب السابق ونظرا" لكون ديانتهم غير تبشيرية ولعدم تمكنهم التحدث بلغتهم ومن ممارسة طقوسهم الدينية بحرية وبشكل علني أكتنف الغموض هذه الديانة ، وساهم في ذلك الجهل المطبق لسكان المنطقة من جيرانهم المسلمين في جنوب العراق ، حيث أعتبرهم البعض من فقهاء المسلمين ورؤساء العشائر المتخلفين بأنهم من عبدة الكواكب والنجوم .
ويذكر د . رشيد الخيون ،في كتابه الأديان والمذاهب بالعراق ، ان الجهل في تاريخ هذا الدين بسبب سريته جعل الطبري ينقل عن الصنعاني / ت 211هـ عن سفيان الثوري بقوله ( الصابئون قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين ) . كما برر البعض نجاستهم لأنهم مشركون حسب الآية القرآنية ..( انما المشركون نجس ) ( سورة التوبة ) ، رغم أن التعميد في الماء الجاري يعتبر من أهم طقوسهم الدينية ، فأفتوا بأخذ الجزية منهم أسوة بالمشركين بالرغم من حكم القرآن فيهم ، والذي خصهم بثلاثة سور (( البقره والحج والمائده)) وساواهم في الأيه (62) من سورة البقره بالذين أمنوا واليهود والنصارى . أما القسم الأخر من الفقهاء فقد أفتوا بقتلهم مما جعلهم هدفا" سهلا" للمتطرفين الأسلاميين والعصابات والسراق . ومن تلك الفتاوى ما افتى به القاضي والفقيه الشافعي ابي سعيد الحسن بن يزيد الاصطخري سنة 328 هـ ايام القاهر العباسي ( القاهر بالله محمد بن الخليفة المعتضد بن الموفق طلحة بن الخليفة المتوكل على الله العباسي وهو الخليفة العباسي التاسع عشر في ترتيب خلفاء الدولة العباسية ) ، الذي عزم على قتلهم حتى كف عنهم بعد دفع مال كبير له ، فأثروا أثر ذلك الأنزواء كوسيلة للحفاظ على دينهم وتراثهم من بطش جيرانهم . ويبين لنا التأريخ العشرات من العمليات الأرهابية والأبادة التي تعرض لها المندائيون طيلة تأريخهم والتي تسببت في هجرتهم لأماكن عديدة دونت في تراثهم وكتبهم الدينية ولكن بسبب الأضطهاد والهجرة المتواصلة فقد الكثير من تأريخهم وتراثهم ومخطوطاتهم ولكن في هذا المقال يمكن ان نذكر بعض تلك العمليات الأرهابية :
ـ يشير كتاب ( حران كويثا ) ( حران السفلى ) ( Inner Harran ) ، وهو أحد الكتب الدينية الذي يتحدث عن تأريخ الصابئة المندائيين الى تعرض المندائيين في القرن الميلادي الأول وفي بداية الدعوة المسيحية الى الأرهاب والمجازر وحملة إبادة جماعية للمندائيين في مدينة أورشليم سنة 70م التي كان يسيطر عليها الحكم الروماني حيث تمت إبادة آلاف المندائيين ومن بينهم 360 رجل دين مندائي وكانت هذه المذبحة العامل الأساسي في هجرتهم الأولى من اورشليم والعودة الى موطنهم الاصلي في وادي الرافدين ووقف التبشير بالدين المندائي مما أثر على أعدادهم لاحقا" .
ـ تتحث الليدي إي . أس . دراور في كتابها ( الصابئة المندائيون في العراق وأيران ) ترجمة المرحومين غضبان رومي و نعيم بدوي عن الأبادة التي تعرض لها المندائيون في القرن الرابع عشر في العمارة حين كان السلطان محسن بن مهدي حاكما" عليها وكان ابنه فياض حاكما" على شوشتر حيث تعرض بعض العرب على امرأة مندائية لغرض أغتصابها وعلى أثر ذلك أعلنت الحرب على المندائيين فتم قتل رجال الدين والرجال والنساء والاطفال وبقيت الطائفه بلا رجال دين لعدة سنين )) .
ـ وفي زمن حكم الملك الساساني بهرام الأول عام 273 م في ايران جرت حملة أرهاب وابادة جماعية بحق المندائيين حيث قتل الألاف وأجبر الآلاف منهم على دخول الدين الأسلامي خوفا" من القتل وللتخلص من الأضطهاد ودفع الجزية وطلب الأمان .
ـ في عام 1782 م وفي جنوب بلاد فارس حدثت حملة أرهاب وأبادة جماعية للمندائيين بعد محاولة المسلمين هناك الحصول ومصادرة الكتب الدينيه للمندائيين لغرض حرقها والقضاء عليهم وعلى ديانتهم وبعد فشل محاولتهم تلك تعرضوا الى عملية ارهابية واسعة ومذابح وأعتقل الآلاف منهم و جميع رجال الدين وزجهم في السجون وتعرض المئات منهم الى عمليات تعذيب وجلد وحرق وقلع العيون وقطع الأطراف للبعض منهم ولم ينجوا إلا القليل منهم بهروبهم الى تركيا حاملين معهم ما تيسر من كتبهم الدينية التي تم استنساخها فيما بعد .
ـ في مدينة شوشتر الأيرانيه القريبة من مدينة الشوش والأهواز تعرض المندائيون في عام 1870 م لعملية إبادة جماعية حيث تمت قتل غالبية سكان المدينة والبالغ عددهم 20 الف مندائي على يد الحاكم الايراني انذاك ناصر الدين شاه الذي حكم ايران من سنة 1831 م ـ 1896 م ويمكن حاليا" ملاحظة بعض الكتابات المندائيه تشير الى هذه المذبحة في المدينة .
بعد نشوب الحرب العالمية الأولى للفترة من 1914- 1918 وسقوط الدولة العثمانية سنة 1918 ودخول القوات الإنكليزية للعراق واحتلال البصرة ومن ثم توجههم نحو يغداد من خلال مدن جنوب العراق التي يقطنها نسبة كبيرة من المندائيين وهي الممر الوحيد لقوات الاحتلال الأنكليزي بأتجاه بغداد ، اثر ذلك على تواجد المندائيين في تلك المدن والاهوار حيث تعرض الصابئة المندائيين لظروف عصيبة جدا" بسبب ظروف الحرب وفقدان الأمن وعدم وجود المؤوسسات الحكومية ، وأنتشرت الفوضى وانعكس ذلك على حياتهم وديانتهم مباشرة حيث تعرضوا الى عمليات القتل والسطو والنهب وخطف النساء وإجبارهم على ترك دينهم ومنعهم من ممارسة طقوسهم الدينية مما أدى الى هجرتهم الى مدن اخرى أكثر هدوءا" . الا ان ظروفهم لم تتحسن في مناطق سكنهم الجديدة حيث تعرفت السلطات الأنكليزية تدريجيا" على المندائيين وديانتهم ومعتقداتهم مما اثار انتباه المبشرين والمستشرقين والباحثين في الديانات القديمة لغرض التعرف عليهم أكثر والوقوف على ديانتهم القديمة فتوافد الكثيرون منهم الى جنوب العراق . مما حدا بالمبشرين الأوربيين لاحقا" بممارسة الضغوطات والأغراءات المالية للتحول للديانة المسيحية بأعتبارهم من ( الخارجين على المسيحية ) أو ما اطلق عليهم مسيحي من أتباع يوحنا المعمدان ، رافق ذلك ضغط وتهديد أسلامي من سكان المنطقة للتحول الى الديانة الأسلامية .
وفي العشرينات من القرن الماضي ورغم ظروف الأضطهاد والقسوة والأجبار على تغيير الدين ، لم يتوقف المندائيين من اداء واجبهم في بناء وطنهم العراق فتوجهوا لممارسة المهن الحرة التي تتناسب مع متطلبات واحتياجات المنطقة كصناعة الأدوات الزراعية والقوارب وأدوات الصيد والصياغة وغيرها ، وتوجه أبنائهم الى المدارس والكليات المختلفة لمواصلة تعليمهم وبرز منهم الكثير من الأطباء والأساتذة والعلماء والمهندسين كان لهم الدور الكبير في عملية البناء اللاحقة في العراق ودخل الكثير منهم في المعترك السياسي الوطني ، ورغم كل هذا بقيت الطائفة بعيدة عن ممارسة حقوقها وطقوسها الدينية والتحدث بلغتها وأزداد التمييز بينهم وبين الآخرين أمام اقضاء ، ولم يتبوأ أحد منهم مناصب عليا في الدولة رغم وجود العشرات من الشهادات العليا التي يحملونها ، كل ذلك بسبب النظرة الدونية التي كان ينظر لهم جيرانهم المسلمون لعدم معرفتهم بديانتهم الموحدة . وزاد من معاناتهم ما كتب عنهم وعن ديانتهم بشكل مشوه واعتبروهم من عبدة الكواكب والنجوم . فكتب عنهم في الثلاثينات من القرن الماضي المؤرخ العراقي المعروف عبد الرزاق الحسني في كتابه ( الصابئيون في حاضرهم وماضيهم ) حيث شوه ديانتهم وأتهمهم بأنهم من ( عبدة الكواكب والنجوم ) وبالطبع كان لهذا الكتاب وفي تلك الفترة الوقع السيئ على الطائفة حيث لا زال الكثير ممن ليس لديهم معلومات وأطلاع على الديانة المندائية يقتنعون بما ذكر بهذا الكتاب ويعتبرونه أحد مصادرهم في الكتابة عن الديانة المندائية .
لقد استمرت معاناة المندائيين لسنوات طويلة ولكن بعد ثورة 14 / تموز من عام 1958 كانت هناك بوادر من قبل قيادة الثورة وخاصة المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم لأنصافهم وكان من بينها أختيار الدكتور عبد الجبار عبد اللة رئيسا" لجامعة بغداد وهو أعلى منصب حصل عليه مندائي وكانت هناك بعض الوعود بأنصافهم واحترام حقوقهم وبناء معابد لهم ولكن الأمر لم يستمر طويلا" لتحقيق هذه الوعود فقد أغتيلت الثورة بالأنقلاب الفاشي في صبيحة 8 / شباط / 1963 ودخل المندائيون من جديد في حمّامات القتل و الأعتقال والتعذيب والسجون على يد سلطة البعث وكان من بين المعتقلين الدكتور عبد الجبار عبد اللة نفسه الذي تعرض لأبشع انواع التعذيب والأهانة ، كما وتجاوز عدد الشهداء من المناضلين المندائيين الذين تم تصفيتهم المائة شهيد أضافة لمئات المعتقلين .
وبالرغم من صدور قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل الخاص بالأقليات الدينية من قبل حكومة البعث الثانية لتحسين صورتها امام المجتمع الدولي بأحترامها لحقوق الأنسان ، وبالرغم من توقيع العراق على عدد من المواثيق الدولية ومنها ميثاق الامم المتحدة لعام 1945 والاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 وكافة المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية حقوق الانسان والحريات الاساسية ومنع جريمة الابادة . لم تنتهي معاناة الصابئة المندائيين وبقي القانون حبرا" على ورق ، واستمر التمييز بينهم وبين الآخرين وانكرت حقوقهم من جديد وبشكل واضح ولم تأخذ اي من الحكومات المتعاقبة أي اجراءات لحمايتهم .
وفي الثمانينات من القرن الماضي ودخول العراق الحرب مع ايران تعرض الصابئة المندائيون في العراق الى عمليات تصفية من جديد وارسل غالبية شبابهم الى الجيش ومن ثم الى الخطوط الأمامية للجبهة رغم ان ديانتهم تحرم القتال بغية التخلص منهم لما يملكونه من حس وطني ، وأستشهد منهم ما يزيد عن 25% من مجموع شباب الطائفة في تلك الفترة والذي تجاوز عدة مئات ، أضافة لعشرات الشهداء المناضلين الذين أعدموا لأسباب سياسية ، أما في ايران فكان عدد ضحايا الحرب من المندائيين مضاعفا" ، أضافة لتعرضهم لحملة شرسة لتغير ديانتهم الى الأسلام .
ورغبة في التخفيف عن هذه المعاناة تم عرض الأمر على المرجع الشيعي في العراق آنذاك آية الله أبو القاسم الخوئي لتعريفه بالديانة المندائية ووضع بين يديه ما يملكون من كتب وحجج تبين انهم من الديانات الموحدة ، وبعد دراسة مطولة لكتبهم وتاريخهم أكد فيهم :( ان الاقوى والاظهر بحسب الادلة ان الصابئيين يعدون من اهل الكتاب ) . الا ان هذه الفتوى لم تفعل ولم تأخذ المرجعية أي أجراء لتطبيقها عمليا" وبقي المندائيون بنفس معاناتهم بالرغم من تغير المرجعيات الدينية لسنوات لاحقة .
أما في إيران فقد ساهموا في إغناء الهوية الثقافية والتراث الحضاري لشعبهم شأنهم في ذلك شأن سائر إخوانهم من المندائيين في العراق الذين برز منهم رجالات علم وأدب وثقافة ساهموا في بناء حضارة الأمة من خلال ما أنجزوه في مجالات العلوم والآداب والفنون والهندسة والطب والفلك ولهم علمائهم التي لا زالت في الذاكرة . لكن معاناتهم بقت لا تختلف عن معاناة اهلهم المندائيين في العراق وجرت اتصالات مع المراجع الدينية الأيرانية وخاصة مع المرشد الأعلى للثورة الأسلامية آية الله علي خامنئي لتوضيح ديانتهم ، ورغبة في مارسة طقوسهم بحرية ، وبعد الأطلاع عليها نفت المرجعية هناك وعلى لسان آية اللة علي الخامئني في كتابه ( الصابئة حكمهم الشرعي وحقيقتهم الدينية ) ، أن تكون ديانتهم متفرعه من الديانات الأخرى بل نظر اليها كديانه مستقلة وقال فيهم (( فمن جملة عقائدهم التي يدعونها ويصرون عليها التوحيد)) . ولعل الخامنئي في كلمته السابقة قدم نقدا" غير مباشر للفقهاء الذين لم ينظروا في أمر هذا الدين ، وهو حي بينهم حيث قال (( والحق الذي ينبغي الأعتراف به هو أننا لا نعرف من المعارف والأحكام الدينية لهذه النحلة التاريخية ( المندائيون ) والتي أصبح المنتمون إليها موجودين بين أيدينا وفي عقر بلادنا )) .
وعلى الرغم من الاعتراف بالصابئة المندائيين كأهل كتاب وموحدين من قبل اعلى سلطة في ايران نجد ان دستور الدولة الايرانية لا يعترف بهم ضمن الاديان الاخرى المعترف فيها وهي الزرادشت واليهود والمسيحيين ، وتم التضييق على إداء شعائرهم وطقوسهم الدينية مما دعاهم الى الهرب للقرى والأرياف للممارستها خوفا" من ملاحقة السلطات الأيرانية لهم ، كما ومنع أبنائهم من مواصلة الدارسة الجامعية أو الحصول على عمل مناسب وتجسدت هذه الخطوات بأستحواذ الحرس الثوري الأيراني في عام 1989 على المعبد الوحيد ( المندي ) الخاص بالمندائيين في مدينة الأهواز وتحويله مقرا" لقيادة الحرس الثوري في المدينة ولم تكتفي بذلك فحسب و إنما عمدت الى تدمير اكبر مقبرة للصابئة في مدينة الأحواز مخالفة بذلك لأبسط القواعد الأنسانية والمواثيق الدولية ، رغم المناشدات التي تقدم بها رجال الدين وشخصيات بارزة من أبناء الطائفة ، وعند ذلك بدأت أعداد كبيرة من المندائيين بالهجرة غير المخططة من أيران واللجوء الى دول عديدة ولم يبقى منهم الأن في أيران غير بضعة مئات .
أما بعد الأحتلال الأمريكي للعراق وفقدان الأمن وانتشار الفوضى فقد تعرض المندائيون الى الكثير من الأنتهاكات لحقوقهم ، وأرتكب الأرهابيون والمتطرفون والمليشيات الدينية جرائم بشعة ضدهـم لاسيما في المحافظات الجنوبية والغربية والعاصمة بغداد ، حيث جرى تكفيرهم من بعض المرجعيات وتعرضوا لأبشع صور القتل المتعمد وهم يمارسون طقوسهم الدينية ، أضافة للخطف والسرقة وفرض الأتاوات الشهرية والتهجير القسري واغتصاب النساء والأجبار على أعتناق الأسلام ولبس الحجاب وتحريم شراء ممتلكاتهم وذلك لغرض ابادتهم ، وتحتفظ مجموعة حقوق الأنسان المندائي على الآلاف من الوثائق والصور والأفلام للضحايا والتي تثبت خرق حقوق الأنسان المندائي ، ومع الأسف يحدث هذا أمام الحكومة العراقية وسكوت المرجعيات الدينية والعالم وصمت من جميع الأطراف . إن المندائيين الذين قتلوا لم يكن احدا" منهم شرطيا" أو رجل أمن او عضوا" بمجلس النواب أو وزير او غيرها من المناصب التي اعتبرت سببا" للقتل والتهجير ، بل أن جميع الضحايا من الأبرياء المسالمين وأصحاب الشهادات والكفاءات العلمية وليس بينهم من يستحق ذلك ! فالمندائيون هم اكثر الناس طيبة وبساطة وخلقا" ، مُسالمون بكل معنى الكلمة ، وكل من عايشهم وتعامل معهم يدرك مدى المحبة والهدوء والصفاء والتسامح الذي يحملوه في انفسهم .
ويؤكد الكنزبرا ستار جبار حلو ( رئيس ديانة الصابئة المندائيين في العراق والعالم ) في لقاءه مع الفضائية العربية بتأريخ 25 / أكتوبر / 2008 ما تعاني منه الطائفة المندائية طيلة تأريخها بقوله : (( لم تنصفنا أي من الحكومات بشكل كبير وبشكل يشفي صدورنا ، لم يسمح لنا ببناء المعابد في الكثير من محافظات العراق ، لم يسمح لنا بتسمية أولادنا وفق مفهومنا الديني ، لم يسمح لنا بإنشاء مدارس دينية خاصة بنا . ذُكرنا نعم في الدستور العراقي الآن ولكن ما الفائدة ، نعم ذُكرت الصابئة لكن نريد ممارسات عملية لكي نشعر بإنسانيتنا )) .
واليوم يعاني الآلاف من المندائيين وعوائلهم المهجرين ظروف قاسية جدا" في سوريا والأردن مع آلاف أخرى من بقية ابناء الشعب العراقي والأقليات الدينية أمام مرأى ومسمع الحكومة العراقية دون ان تعمل شيئا" بعد ان تركوا كل ما يملكون خلفهم في وطنهم الأم العراق وهم ينتظرون عطف دول اللجوء والمنظمات الأنسانية لتقديم المساعدة والعون اللازم لهم .
وبدلا" من أن تحل مشاكلهم والعمل على توفير المناخ المناسب لعودتهم تم مؤخرا" إلغاء المادة 50 من قانون مجالس المحافظات والخاص بمقاعد الأقليات بأجماع الكتل البرلمانية الطائفية المهيمنة على البرلمان لتصبح تجسيدا" لهظم حقوقها وحرياتها ، وبذلك يمارس مجلس النواب الطائفي ( المنتخب ديمقراطيا" ) عملية أضطـهاد أخرى لأبناء العراق الأصليين ويقف لجانب الأرهابيين من اعداء العراق بدلا" من الدفاع عنهم ، كما وأتخذت هذه المادة كورقة سياسية للمتاجرة بحقوقهم من قبل هذه الأحزاب والقنوات الفضائية التابعة لها وتستنكر ألغاء هذه المادة وكأن الأقليات هي من ألغت المادة الخاصة بحقوقها وليس الكتل البرلمانية الطائفية وبضغوطات داخلية وأقليمية التي تود افراغ العراق تدريجيا" من مكوناته الأساسية .
وهنا لا بد ان نسأل الحكومة العراقية أو ما تسمى حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة ( العراق الديمقراطي الجديد ) ، هل يتمتع الصابئة المندائيون بحقوق المواطنة المتساوية مع غيرهم من المسلمين وبدون تمييز في العراق ؟ وهل يتمتعون بالحقوق التي وردت في اتفاقية فيينا لعام 1993 ؟ وهل قامت الحكومة العراقية بحمايتهم والحفاظ على هويتهم الدينية والقومية والأثنية والثقافية واللغوية وممارسة صقوسهم الدينية وثقافتهم الخاصة وبحرية أسوة بالآخرين بحرية دون أعتداء رغم ان هناك أدلة دامغة على خرق حقوق الأنسان للمندائيين تحت مرأى ومسمع الحكومة العراقية والأحزاب السياسية المشاركة فيها دون ان تفعل شيئا ؟ وهل شاركوا في الحياة الثقافية والدينية والأجتماعية ؟ وهل لديهم من يمثلهم في مجلس النواب ومجالس المحافظات بعد الغاء المادة 50 من قانون مجالس المحافظات من قبل ما يسمى مجلس النواب ؟ أنها أسئلة مطروحة على الحكومة العراقية ننتظر الأجابة عليها !!! .
نأمل في نهاية المطاف ان يحصل كافة أبناء العراق من عرب وكورد وتركمان وكلدان وآشوريون سريان ، وأرمن وصابئة مندائيين وأيزيديون وشبك لحقوقهم وحريتهم وانسانيتهم وان يعيشوا جميعا" بحب ووئام في وطن حر ديمقراطي يؤمن بالتعددية وأحترام حقوق الأقليات الدينية فهم تراث الإنسانية وحاضرها ومستقبلها في وطنهم العراق
كنـــدا
تشرين الثاني / 2008

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي