wrapper

د. قيس مغـشغـش السعـدي kayes_ 

بل وربما بعض أبنائنا اليوم. ومثلما لا نستطيع نحن قراءة ما كتب أجدادنا في لغتنا المندائية التي ابتكروها، فضاع ويضيع علينا فهم نصوص عقيدتنا الدينية، وتقديرالبلاغة اللغوية التي جاءت بها هذه النصوص، ولا نتلذذ بالصياغات الشعرية في المزامير والأناشيد المندائية لأننا لا نستطيع تذوقها بلغتها، وتبقى الترجمة قاصرة عن أن تجعل النص يذوب فيك وتذوب فيه،

بمثل هذا الحال سيكون مآل كتاباتنا اليوم. ذلك أن جميع هذه الكتابات تكتب باللغة العربية التي تتحدد بجيلنا الحالي من الكبار وبعض أبنائنا الذين وصلوا بلدان الشتات وهم يقرأون ويكتبون العربية. فأما جيل الكبار، فهو يعرف معاناتنا ويقدر المصير ومطمَئنٌ الى مندائيته على القدر الذي إمتلكه فيها مع قابلية الزيادة فيما يقرأ ويشارك، وأما جيل الشباب من الذين يقرأون ويكتبون العربية، فإن إنشغالهم الجاد بتعلم لغات البلدان التي صاروا فيها سيشغلهم عن مواصلة القراءة والكتابة باللغة العربية. واللغة إن لم تمارس سوف تضعف وتذوي وتحل محلها تدريجيا ، وربما سريعا، اللغة الجديدة. وإزاء هذا الضعف ستقل المشاركة في الكتابة والقراءة مع الآخرين وذلك بأسباب ضعف المستوى اللغوي في العربية مقابل اللغات الأخرى، وهذا ما سيؤدي الى عدم المشاركة أو اللجوء الى اللغات الجديدة بديلا. وسيحدث صراع لفترة ما بين جيل اللغات الجديدة وجيل اللغة العربية، ينتهي بلا شك لصالح جيل اللغات الجديدة. ولكن السؤال هو: هل سيبقى جيل اللغات الجديدة منتجا للمندائية في هذه اللغات؟ وما مصير ما نكتب اليوم للمندائية في كل جوانب عقيدتها وطقوسها وأساطيرها وتاريخها وتراثها؟   

وأن تجاوزنا جيل الشباب الحالي الى جيل أبنائهم القادم والذي ستتفتح آذانه ليس على سماع (( دِللـّول يَلوَلد يبني دِللول...))، بل على سماع لغة الأسرة الجديدة التي في الغالب ستكون غير عربية، فإنه سوف لن يكون على قرب منها ليس في القراءة والكتابة وحسب، بل في التخاطب والإستماع. وهنا ستكون اللغة غير عربية بشكل كامل ، ويكون الإطلاع على أي مصدر مندائي أمر مستبعد بسبب اللغة التي كتب بها. وهذه المرة ليست اللغة المندائية بل اللغة العربية. وقد ينفع أن البعض منهم يمكن أن يطلع على معارف مندائية باللغة الإنكليزية والألمانية من خلال ما كتب بهما من قبل بعض الأكاديميين والباحثين، ولكن هاتين اللغتين لا تحويان كل ما كتب عن المندائية، كما أن المستوى الأكاديمي الذي تعرضه الكتب المكتوبة بهما سوف يجعل العديد غير مُقدِم عليها. ناهيك، وهو المهم، أن ما نكتبه نحن اليوم من مقالات وكتب باللغة العربية سوف يحتاج المندائيون الى ترجمته الى لغات جديدة لكي يطلعوا على ما سنخلفه لهم نحن من مساهمات ونشاطات وتوجيهات وتوقعات، وهذا بأي حال من الأحوال سوف لن يكون شاملاُ ولن يقرأ من قبل الجميع. 

    إن توجهات اللغة العالمية المشتركة قاد الى أن تخطط البلدان والشعوب والأمم لمستقبل أبنائها لكي تعدهم وتتواصل في ذلك الإعداد باللغة التي ستبقى مدار حديثهم وتعلمهم قراءة وكتابة ونتاجا، وعلى هذا نجد أن جميع بلدان العالم، وبخاصة المتقدمة منها، تضع لغة ثانية ضمن المراحل الدراسية وتكون هذا اللغة ملزمة في التعلم وإكتساب القدر المطلوب منها. أما نحن المندائيون حيث تبعيتنا في كل الأحوال للبلدان التي نعيش فيها، فإن مواجهة جوانب مصيرية في كياننا يكون مرتبط بطبيعة توجهات تلك البلدان ومنها اللغة، ولذلك ضاعت علينا لغتنا المندائية في العراق وإيران بأسباب الإضطهادات التي تعرضنا لها فلم نتعلمها ولم نتخاطب بها في بيوتنا، وأقدمنا على تعلم العربية والفارسية بإتقان، وما أن بدأنا باعتمادهما لغة ترجمة للكتب الدينية المندائية حتى صار مصيرنا الراهن يتجاوز هذه اللغة وترجماتها خشية أكيدة من عدم تواصل الجيل القادم معها. ما العمل إذن؟ هل سيقوم الجيل القادم بالترجمة الى الإنكليزية والألمانية والسويدية والدنماركية والهولندية ما ترجمنا عن المندائية الى العربية؟ ولو حصل هذا، فإذا ضاع ما ضاع وفسد ما فسد في الترجمة الأولى، ثم يضيع ما يضيع ويفسد ما يفسد في الترجمة الثانية، فكيف سيكون النص حينما يصل؟                                                                   

هذه واحدة من تحديات مستقبل المندائيين الجدية أمام أنظار الجميع. قد لا يراها البعض اليوم مع أنها صارت ملموسة فيما يعاني بعض أطفالنا المندائيين من لغة التفاهم مع أبن وبنت عمه/ عمته، وابن وبنت خاله/ خالته إن كانوا في بلدان مختلفة وما أكثرها. ولو سلمنا، قياسا بكل ما نبذل اليوم من جهود لحفظ المندائية، حتى صار جيلنا القادم مقدم على المندائية بشكل منقطع النظير، فبأي لغة سوف يقول نص (( رواها إد هيي )) وكيف سيفهم معناه البليغ؟                                           

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي