wrapper

بقلم الاستاذ مديح صادق 

جميل جدا ما انتزعته من ذاكرتها - خالتنا المناضلة  أم عادل - لتستخلص منه درسا يحفزنا لأن نعيد النظر بكل صغيرة وكبيرة من تعاملاتنا مع بعضنا ’ كما كنا وسنبقى عائلة واحدة تحكمها الأخلاق المندائية التي ميزتنا بنظر الآخرين
لقد كانت الفترة العصيبة التي تحدثت عنها وهي ما بعد انقلاب 8 شباط 1963 الأسود ’ الذي أحرق الأخضر واليابس ’ إذ أزهقت أرواح شرفاء سياسيين وغير سياسيين ’ وهتكت أعراض ’ وأهين كرام

وقد كان نصيب المندائيين من هذا كبيرا جدا

حيث كانت نسبة كبيرة منهم قد وجدت في الأفكار اليسارية الديمقراطية سبيلا لتحقيق الأهداف الإنسانية النبيلة ’ فكان كل مندائي حينها هدفا لتلك العصابات ’رجلا كان أو امرأة كبيرا أو صغيرا ’لايهم
سأنقل لكم جانبا مهما من تلاحم المندائيين آنذاك في بيئة مصغرة حيث كانت قبلة اتجه إليها جم غفير من أهلنا في بغداد وغيرها ’ نافذين بجلودهم يحدوهم أمل أن لهم إخوة يجدون عندهم الأمان
كان عمري وقتها 13 عاما وقد كانت الأناشيد الوطنية في الشوارع والمدارس والمنظمات الديمقراطية والشعارات وصور الزعيم عبد الكريم قاسم المعلقة في كل مكان في - ناحية المشرح ’ الحلفاية -وأهازيج النساء والرجال والأطفال من المندائيين ’ الذين يخرجون كل ليلة إلى الشوارع يتقدمهم شباب متحمسون هاتفين { فرحانة ’ فرحانة ’ كل الشعوب اليوم ’ ويانة فرحانة  ْ}’ ما شكل انحيازا فكريا إلى جانب قوى الخير والتقدم بشكل عفوي بعيدا عن الغوص في الأيديولوجيات السياسية لأن المتغيرات التي أعقبت ثورة 14 تموز كانت مدعاة لهذا الانحياز الذي دفعنا إزاءه أبهض الأثمان مفتخرين
اسيقظ الأهالي على صوت المذيع معلنا أن صفحة سوداء ستكتب في التأريخ البشري ’ وما زالت راسخة في ذاكرتنا مشاهد حداد الفقراء  ونساء الفلاحين اللائي وضعن الطين على رؤوسهن ’ ومنهن من قصصن الظفائر حدادا على الغدر برمز الثورة ’ الزعيم عبد الكريم
 
لقد فتحت البيوت لتستقبل النافذين بجلودهم إذ كتبت لهم حيوات من جديد ’ وكانت المحطة الأولى بيوت المندائيين التي لم تغلق إلا على كنوز احتوتها ’ وآلى على أنفسهم أهلها ألا يفرطوا بها ’ وإن كان الثمن الأرواح وقد تعرفت - رغم صغر سني - على كثيرين ممن وجدت فيهم مثلا عليا تستحق حرص المستقبلين الذين أطبقوا بأسنانهم عليها
 
بعدها بدأت المرحلة الثانية بإبعادهم عن أيدي أجهزة الأمن والحرس 

القومي وعيون الرقباء المركزة - خصيصا - على المندائيين ’  فبدأت عمليات التنكر : النساء بزي بائعات الفحم أو اللبن ’ حافيات الأقدام ’ مظللات الخدود بشيء من الرماد لإخفاء بياض البشرات ’ والرجال بإطلاق اللحى وارتداء ملابس الفلاحين القديمة مع اقتناء علب لف التبغ للتمويه ’

وقد خضع الجميع لعمليات تدريب على التحدث بلهجة القرويين وطبائعهم من قبل - طيب الذكر - الجندي المجهول خال والدي ’ مطشر لازم عبيد الزهيري ’ الذي قام باستلال غالبيتهم ’ مرورا بأهوار الشيب ’ بواسطة الزوارق ’ ولكونه معروفا لدى الفلاحين في الضفتين ’ العراقية والأحوازية ’ فقد سلمهم بأيد أمينة من أهلهم المندائيين هناك ’ ولا شك بأن خالتنا ’ خيرية الهلالي في ذاكرتها خزين من التفاصيل  والطرائف الفريدة لن تبخل علينا به وهي سليلة العائلة المعروفة بنضالها ومواقفها نساء ورجالا

 

أما الذين آثروا البقاء بين أهلهم ’ في الحلفاية ’ فقد حظوا بكل تقدير واحترام وحرص إذ قاموا بتغيير أسمائهم ’ أذكر منهم الخال كباشي شنان الحلو الذي انتحل اسم - علوان - وأطلق لحيته ومثله الخال مزهر رحمة صنكور  اللذين اشتغلا في صناعة الزوارق ’ وكانت لنا معهم مواقف جميلة وذكريات ’ وقد كتب عنهم جدنا ’ جتان جنب ’ أهازيج وأشعارا تناقلتها دواوين القهوة وقلوب المندائيين ’ ولم يسلم هو من العاصفة الهوجاء إذ اصطحب ابنه ’ قيس ’ من بغداد إلى المشرح ’ طالبا النجاة

سأروي لكم هذه الحكاية التي شهدتها بكل حواسي : بناء على وشاية حضر فريق من الشرطة والحرس القومي إلى دارنا يبحثون عن  قيس جتان  الذي آويناه ووالده في بيتنا ’ كان المرحوم والده يؤدي براخة الفجر - كما يعرفه كثيرون - مرتديا الرستة ’ جالسا على كرسي يعينه على وضعه الصحي ’ ألقى المفوض ’ حفظي ’ التحية فردها المرحوم بإشارة من يده واستمر على ما هو عليه ’ فدخلت المجموعة الغرفة حيث ينام قيس الذي جاءوا للبحث عنه ’ فوخزه المفوض بالعصا ليرفع رأسه من على الوسادة ’ وعندها صرخ آمر الحرس القومي : ارجع انطمر ’ إنه ليس المطلوب

عند خروج المفرزة انفرد أحد الشرطة بالمرحوم والدي ليهمس بأذنه : اجتافي للعباس هو قيس ’ بس دينكم قوي وبخت هذا الشيخ الما كطع صلاته عمى عيون الحكومة ’ اذبحوا ذبيحة ’ وابعدوه منا

إن صور التلاحم المندائي غزيرة لاتستوعبها نتف عابرة من الحكايات ’ بل تصلح لأن تنظم منها ملاحم وروايات ’ قناديل وسرجا ’ تهدي التائهين ’ وتبعث في  المؤمنين مزيدا من الإشراق

ودمتم - كما أنتم - عائلة واحدة  ’ يا قبلة الخير ’ يا مندائيون

 

 كندا - تورنتو

18 - 1- 2009 

 

 

 

 

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي