Print this page

في ميزان العبقرية
عبدالجبار عبدالله والفراهيدي

مثنى حميد مجيد

ذات صباح في بيت بغدادي الطراز. الزمن ربما نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. إمرأتان تتداولان الحديث وقت الإفطار عن رجل عجيب أمضى هزيع الليل وشطراً منه يعانق الريح ويرصد عناصر الطبيعة. هل كان الوقت صيفاً أم شتاء ؟ هل كانت السماء تمطر أم هو إجتياح هوائي يحمل زفير الصحراء ورمالها ؟ الذاكرة لا تسعف على الجواب. ولكن بالتأكيد كانت ليلة عاصفة هوجاء. قالت المرأة الأولى متسائلة بإستغراب ـ طوال الليل وهو يعتلي السطح في عاصف الهواء ـ فعقبت الثانية موضحة ـ هذه عادته إنه يتابع الريح ويدرسها...

أما المرأة الأولى فكانت والدتي وأما الثانية فهي زوجة الخال الدكتور نعمان عبدالجادر وأما الرجل العجيب الذي يعانق الريح في الليلة العاصفة فهو الدكتور عبد الجبار عبد الله رحمهم الله.

ولعل هذه الذكرى الفريدة عن ذلك الحوار الصباحي الذي أعقب عاصفة الليل هي من حسنات ذاكرتي النكدة الضعيفة أنها تختزن وترشح أحيانآ ما هو غرائبي وإستثنائي من المشاهد المفعمة بالأسئلة والتساؤلات التي لا تحظى بالتفسير أو الإجابة فقد ظلت هذه الذكرى عن الرجل الإستثنائي العجيب الذي يمارس طقوسه الغريبة مع الريح العاصفة ثابتة في ذاكرة الطفولة. كنا في زيارة من الناصرية إلى بغداد وكان من عادة الدكتور عبد الله معاودة صديقه وزميله وأبن عمه الدكتور عبد الجادر والمبيت عندهم أحياناً وما عدا هذا المشهد ومشاهد قليلة أخرى لا تستعيد ذاكرتي شيئاً اخر يذكر عن ذلك الزمن البغدادي الغابر.

ومر عقد ونيف وفي عام 1969 حطت طائرة أمريكية في مطار بغداد حاملة الجثمان الطاهر للدكتور العالم بناء على وصيته أن يوارى الثرى في أرض الوطن. وأبدى المندائيون حماسآ وإصراراً لرفع الغطاء المحكم الإغلاق للنعش من أجل إخراج الجسد المسجى فيه وإجراء شعائرهم القديمة اللازمة في التكفين والدفن. وبعد جهد جهيد أفلحوا في فتح الغطاء. لم يشاهدوا سوى بضعة ورود حزينة تحيط الرأس رافقته من أرض الغربة . وبدلا من النعش الخشبي المحكم شيدوا نعشآ طقسيآ رافدينيآ من شدات القصب والبردي والحبال المفتولة من سعف النخل الأخضر بحسابات معلومة ومقاييس مفهومة وتراتيل محفوظة مختومة عبر قرون مديدة تماماً كذاك النعش القصبي الذي أشار إليه طيب الله ثراه الطاهر الإمام الشريف الرضي في رثائه لأبي إسحق الصابي الجد الأقدم للعالم عبد الجبار إذ قال :

أعلمتَ من حملوا على الأعوادِ ... أرأيتَ كيف خبا ضياءُ النادي
جبلٌ هوى لو خرَّ في البحرِ اغتدى ... من وقعهِ متتابعِ الإزبادِ
ما كنتُ أعلمُ قبلَ حطَّكَ في الثَّرى ... أنَّ الثرى يعلو على الأطوادِ

في ذلك العام صدر عدد من صحيفة بغدادية اسبوعية مخصص للدكتور عبد الجبار تضمن بعض الصور العائلية له ومقالات عن حياته وإنجازاته ورسالة لأخيه وصديقه الدكتور عبد الجادر يعرب له فيها عن إشتياقه وإفتقاده لجلساتهم الممتعة في حديقة دارهم ونيته في العودة إلى أرض الوطن لعدم رغبته في إشتراك نجله سنان في الحرب الأمريكية على فيتنام. وتضمن العدد ذكريات أصدقائه وزملائه عنه ورأيهم في ألمعيته وقدراته العلمية ومن ذلك سؤال وجه إلى زميله وصديقه الدكتور العلامة مهدي المخزومي فكان جوابه ـ أقول عنه ما قاله سفيان الثوري عن الفراهيدي أنه رجل يوزن بالذهب والمسك...

وقتذاك إستحضرت ذاكرتي ذلك الحوار الصباحي الذي أعقب الليلة العاصفة عن الرجل العجيب الذي قضى شطراً منها يرصد الريح ويعانق العاصفة. لا شك أن مقارنة الأفذاذ من الناس بالذهب والمسك هو تشبيه على درجة من الروعة والجمال غير أني ما زلت أزداد ثقة وقناعة أن مقصد العلامة المخزومي كان أعمق معنى وأبعد مرمى من مجرد ظاهر التشبيه ولم تكن إجابته على سؤال سائله محض مجاملة عابرة في ذكرى صديق له وزميل في نفس الجامعة حين قارنه على وجه التخصيص بعبقرية كبرى كالخليل بن أحمد الفراهيدي أول فيلسوف بنيوي قبل اوربا بقرون مديدة وواضع أسس علمي الصوت والعروض.

الحقيقة هي أن الدكتور مهدي المخزومي قد أشر عنوانآ عريضآ لإطروحة مقارنة كاملة في أسس عمل وميكانزم الأسلوب الجدلي اللامشروط الذي تعمل به العقول ذات الملكات والقدرات الذهنية والنفسية العالية المستوى إلى درجة الخارقية حين وضع الفراهيدي وعبد الجبار عبد الله على كفتي ميزان واحد من العبقرية.

كلاهما كان مفعمآ بالحياة وينظر إلى مظاهرها وظواهرها ككائنات حية يستطيع محاورتها وإستدراجها برهافة أحاسيسه فإذا تقربت منه أو أعطته عنانها وكشفت له عن بعض أسرارها وخوابيها عاد إلى قواعده العقلية والمنطقية ليحول ما منحته ووهبته من أسرار وجواهر إلى معادلات علمية رصينة وقوالب رياضية محكمة تشع بالضوء والكشف.

كلاهما كان يمتلك حاسة شديدة الشفافية في الإصغاء إلى وقع الأشياء وموسيقاها فحوّل الفراهيدي مخارج أنغام وألحان الطببيعة والإنسان والحيوان إلى تفعيلات وأوزان وقوالب وحوّل عبد الجبار عبد الله مخارج أصوات الريح والعواصف وتيارات الهواء بأمزجتها وأخلاطها ودورانها وتراصف طبقاتها أو تصادمها وإنسيابيتها وهياجها إلى معادلات رياضية مفيدة لدرء مخاطر الزوابع والأعاصير وما يرافقها من طوفان وخراب للحرث والنسل والعمران. لقد أدهش زملاءه من علماء أمريكا حين كشف لهم عن سر باحت به أعاصير التورنادو في أذنه المرهفة حين أخبرهم أنها تصدر طنينآ كطنين الذباب معبرآ عن ذلك بمعادلات رياضية مكنتهم من رصد تحركات هذا الغول الذي يحق تسميته بخمبابا أمريكا.

كلاهما كان يمتلك توازنآ وتكافلآ في ميزان ملكاته وقدراته الذهنية والسايكولوجية مما خلق فيهما قدرة مضاعفة وديناميكية في جمع ما يبدو ظاهرآ من النقائض.

كلاهما كان يطل ويتطلع إلى العالم من داخل العالم ويتخذ له مجلسآ في قلبه. الفراهيدي كالبدوي في خيمة الصحراء وعبدالجبار عبدالله كأوتونبشتم في فلك الطوفان.

وبإسلوب علـمي يصف الدكتور إبراهيم ميزر الخميسي في مقالة قيمة له طريقة عمل الدكتور عبدالجبار وصلته الحية والملموسة بمواضيع أبحاثه قائلآ :

(معظم أبحاثه كانت حول الأعاصير والرياح القوية والزوابع . درس أسباب وطرق تولّدها والعوامل التي تساعد على نموها وأخذها أشكالها النهائية. كان يصف ذلك بشكل مذهل حتى يخيل إليك أنه راكب مع تلك الموجات التي كان يبحث فيها، مندفع مع التيارات المتلاطمة والدوارة، سائر في طرقها الملتوية، الصاعدة منها والهابطة والحلزونية وغيرها. كان يبيّن بإمعان ووضوح طبقات الهواء المتباينة، الباردة، الأقلّ برودة، الدافئة والأكثر دفئاً، وكذلك علاقات تلك الطبقات مع بعضها البعض. كما بيّن درجات حرارتها، أسباب اختلافها عن بعضها و فرق الضغط بينها، إضافة إلى دراسته العوامل والمؤثرات التي كانت تلعب دوراً مهماً في حدوث ونمو وتكامل الزوابع والأعاصير. ولقد خصص قسماً من أبحاثه لدراسة قلب الأعصار الذي يدعى (عين الأعصار) .
الشيء المهم الذي تميزت به أعماله هو وصفه لما كان يحدث بمعادلات رياضية، يستطيع الباحث بواسطتها التنبؤ بحالات هبوب الأعصار. وعلى هذا الأساس يتم التهيؤ والأستعداد لمواجهة ذلك، حيث يتم إنقاذ السفن والبواخر التي تمخر عباب البحار والمحيطات، وأخذ الأحتياطات اللازمة في المدن)

هكذا كان عبدالجبار يدخل قلب العاصفه بفلكه الرياضي ليصف مساراتها ومساقط وأبعاد وأمزجة كتلها وتياراتها في لفها ودورانها وهبوطها وجيشانها وإحتمالات أهوالها وطوفانها وهكذا قبله بستة الاف عام شيد أوتونبشتم فلكه لينقذ ما يمكن إنقاذه من البشر ومن حضارة وادي الرافدين. وإذا ما أزحنا القشرة اللاهوتية الرخوة والمضللة عن لغة اوتونبشتم اخذين في الحساب ما تضفيه الترجمة من إلتباسات وحجب على معاني ودلالات النصوص القديمة سنصل إلى تلمس ومقاربة من الشفرة العلمية لتلك اللغة الرمزية التي يستخدمها أوتونبشتم في وصفه لقوى الطبيعة الهائجة وهو يرصدها من نافذة فلكه العائم في قلب الطوفان وما أشبهه بذاك الرجل العجيب الذي شد إنتباهي الطفولي وهو يرقب العاصفة البغدادية أو وهو يتوغل في أعماق أعاصير التورنادو ليفككها في معادلات رياضية تشد إنتباه علماء أمريكا وتؤسس لعلم جديد في السيطرة على الزوابع والأعاصير وتلافي مخاطرها ..

وحل أجل الموعد المعين
وفي الليل انزل الموكل بالعاصفة مطرا مهلكا
وتطلعت الى حالة الجو فكان مكفهرا مخيفا للنظر
فولجت في السفينة وأغلقت بابي
ولما ظهرت أنوار السحر
علت من الأ فق البعيد ، من أسس السماء ، غمامة ظلماء
وفي داخلها أرعد الاله ـ أدد ـ
وكان يسير أمامه ـ شلات ـ و ـ خانيش ـ
وهما ينذران أمامه في الجبال وفي السهول
ونزع الا له ـ نيركال ـ الاعمدة
ثم أعقبه الاله ـ ننورتا ـ الذي أطلق الرعود وفتق السدود
ورفع ال ـ انوناكي ـ المشاعل
وجعلوا الارض تلتهب بأنوارها
ولكن بلغت رعود الاله ـ أدد ـ عنان السماء
فأحالت كل نور الى ظلمة
وحطمت الارض الفسيحة كما ، يتحطم ، الكوز
وظلت زوابع الريح الجنوبية تهب يوما كاملا
وازدادت شدة في مهبها حتى غطت الجبال
وفتكت بالناس كأنها الحرب العوان

وكما وصل الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى ذرى المعرفة مفككآ خيمته بأوتادها وحبالها وأسبابها عائدآ بجواهر ابتكاراته ليرصفها مقاطع صوتية وأوزان وقوالب شعرية وكما آب عبدالجبار عبدالله من قلب الإعصار محملآ بأسرار زمجرته وغوامض مفازاته ووديانه ومجاهيل مساراته وطرقاته لينظمها معادلات رياضية مشرقة كذلك كان قبلهم بدهور أوتونبشتم السومري حين وصل بفلكه إلى بر النجاة ومرفأ الحياة والمعرفة ..

ثم هدأ اليم وسكنت العاصفة وغيض عباب الطوفان
وتطلعت إلى الجو ، فرأيت السكون عاما
فتحت كوة طاقتي فسقط النور على وجهي

..........

- عبد الجبار عبد الله - الريادة في علم الأنواء الجوية - الدكتور ابراهيم ميزرالخميسي. mandaeanunion.org
- ملحمة جلجامش .الدكتور طه باقر
-خمبابا.الوحش الحارس لغابة الإرز الذي يصرعه جلجامش والذي يقارنه البعض بالروها التي يأسرها الملاك هيبلزيوا في الأساطير المندائية
- أدد.اله الرعود والبروق والزوابع
- شلات وخانيش.من رسل الاله أدد
- ايراكال.اله العالم الأسفل والمياه الجوفية
- ننورتا. اله الحرب والصيد
- ال ـ أنوناكي ـ اسم جنس عام يطلق على مجموع الالهة وبوجه خاص الهة العالم الاسفل.
-الريح الجنوبية في العراق او بالاحرى الجنوبية الشرقية التي تسمى ـ شرجي ـ شرقي ـ هي الرياح الممطرة عادة في العراق الان ، وهي الرياح التي تهب من جهة الخليج ومنطقة الأهوار.المصدر السابق. ترجمة الدكتور طه باقر

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015