wrapper

الصابئة المندائيون : عيدا ًفي 20 بلدا ً!

منقول من موقع كتابات

 http://www.kitabat.com/i73195.htm 

كتابات - د. قيس مغشغش السعدي

إذا أردنا أن نتألم على حال العراق، فلننظر إلى الواقع الأليم للصابئة المندائيين. كل جوانب الوصف الأصيل والطيب قد وصفوا به باستحقاق من قبل أهلهم وأبناء شعبهم العراقيين. فالقول أنهم الفرات قبل أن يسكن على شاطئيه بشر نعم، وأنهم توثيق لعصر بلاد ما بين النهرين قبل التأريخ وبعده نعم، ومنهم زقورة أور وقيثارة سومر نعم، وهم من قوم إبراهيم الخليل(ع) وأهله وعشيره نعم، وأنهم مؤسسوا حران مدينة الدين القديم نعم، وبهم الإمتداد الأكدي والآرامي في بابل نعم، وطقسهم طقس البياض والنقاء وتقديس الماء بقدسية خالقة نعم، وأصل لغة العراق والتلمود صاحبة الأكو ماكو نعم، وسمة تعميد يحيى ورسمه المقدس الذي أحياه ورقـّاه بتعميد السيد المسيح مباركا بالروح القدس نعم، ومنهم ثابت بن قرة وابنه سنان وأبو إسحق الصابي وابنه وحفيده والبتاني ودرة علماء وأدباء الخلافة العباسية في بغداد إمتدادا لعبد الجبار عبد الله نعم، وأن فيهم الصنعة والخدمة الأمينة والسعي لعيش مسالم آمن وادع محب نعم، وأن لهم في العراق الوطن والهوية والإخلاص واللامطمع السياسي نعم، ... ونعم، ونعم، ولكن أين هم الآن؟ عيدهم عيدا في 20 بلدا ليس بأسباب الكثرة، بل بعثرة ًألما ًوحسرة.

 

و" كان المندائيون" كلمة قاسية قلت في مؤتمرات دولية عديدة أني لا أحبها، بل أحب أن أقول بدلها:" إن المندائيين". فليس بودي أن يصير المندائيون ماضيا في فعل كان! ومع ذلك فالقول: كان المندائيون في عيدهم الكبير الذي يعرف بعيد " الكرصة " لإعتكافهم في مساكنهم مدة ست وثلاثين ساعة، وهو عيد رأس السنة المندائية أيضا، كانوا يعيشون البهجة ويحيون رسمهم بتوديع سنة وإستقبال أخرى وهم مجتمعون بالدعاء واللقاء. كيف لا واليوم الأخير من السنة المندائية يسمى بلغتهم يوم " كنشي و زهلي" بمعنى يوم اللقاء والنقاء، وهم لا يعتكفون إلا بعد أن ينزلوا الماء الحي الجاري إن في الفرات أو في دجلة. ونجد المدن العراقية التي سكنوها آلاف السنين تستقبلهم مياهها قبل غروب شمس آخر يوم من السنة لتحتضنهم مجاميع وزرافات شيوخا وأطفالا ونساء ورجالا، ينزلون النهر ليطهروا أنفسهم قبل تطهير أجسادهم بالماء الحي لأنه من الحي الأزلي، سزهو بهم ويزهون به ويدعون الرب العظيم أن يغفر خطاياهم ويبتهلون إليه أن يبقيهم حافظين اسمه ورسمه، ثم يعودون منازلهم بنفس نقية وبدن طاهر. يقضون ليلتهم ويومهم التالي مجتمعين بذكر وحمد الخالق وحفظ البقاء بين ظهرانين العراق الذي لا يملكون غيره وطنا.

 

واليوم، ودون الدخول في التفاصيل، فالحال بالمآل. اليوم، وهم البقية الباقية، تشتتوا فرارا بالنفس والدين وتوزعوا توزعا قاسيا وملزما في أربع قارات على إمتداد بلدانها التي أحصيناها فوجدنا أنها تربو على العشرين بلدا. صارت القلة في العراق ، وأغلبية مهجّرة بعضها ما يزال يسعى للأمان، وآخر أمِنَ المكان ولم يأمنْ الزمان. وعيوننا على الجميع خشية وحنانا، وننخى الجميع أن أيها المندائيون: عِضّوا بباقي أسنانكم على وجودكم وبقائكم واحفظوه وصارعوا التيارات الجارفة المتنوعة إن في داخل العراق أو في بلدان المهجر. ونسمع صرير أسنان البعض في العض على الزمن وكأن حاله مثل حالي حين يقول:

 

زماني شكثر عضيته و عضنــي   ( سندته وسندني)

 

وزماني شكثر عضيته و عضني   ( وعضته ووعضني)

 

وزماني شكثر عضيته و عضني   ( عضضته و عضني)

 

وزماني الطاحت سنونــه بــِـديّـه

 

ولا نريد القول:

 

وزماني الطيّح سنوني بــِــديّــه

 

إن ما مر على العراق وعانى منه العراقيون قد عانى منه المندائيون مرتان، مرة كونهم عراقيين وأخرى بإستهدافهم بديانتهم والنظرة الأقلية لهم وإستكثار أنهم يمثلون جذر العراق وأصالته. كما أن توزعهم في الشتات يعانون منه أكثر من مرة: في الغربة، والتوزع غير المسبوق حد أن الأسرة الواحدة يعيش أفرادها في أربع قارات مقابل كيان عاش مجتمعا موحدا، وفي عدم إمكانية إقامة الطقس الديني وبخاصة شعيرة التعميد التي هي أساس الطقوس المندائية في حال عدم توفر الماء الجاري أو القرب منه وحال الظروف المناخية القاسية،. وأدهى المعاناة أنهم ليس لهم كيانا يجمعهم فصاروا يعيّدون من خلال شبكة الإنترنيت. فهل يبقون يفكرون بالعودة إلى الوطن أم هي أحلام وآمال؟ وهل نبقى نردد قول الشريف الرضي في إحدى قصائد رثائه لصديقه أبو إسحق الصابي حين يقول:

 

وأعلمُ أنْ ليسَ البكاءُ بنافع ٍ        عليكَ ولكِني أمنـّي الأمانيا‏ 

 

ويسأل المعنيون بشأن المندائيين عن الكيف؟ وهل تكفي الآمال والأدعية إن لم يصاحبها العزم والمسعى؟ وكيف العزم وإمكانياتهم دون حد لم الشتات وجمعه في بلد أو بلدين؟ كيف وقد ضاعت لغتهم لعدم إمكانية توثيقها رغم أننا نجحنا في تسجيلها لغة مهددة بالإنقراض بحسب أطلس اليونسكو لكن لم يشملها برنامجا إحيائيا بأسباب أن العراق لم يوقع على معاهدة حفظ اللغات المهددة بالإنقراض الذي أقرته اليونسكو ومنها لغته المندائية فلم تشمل ببرنامج الرعاية رغم مناشدتنا لمكتب العراق الوطني في اليونسكو وتعاونه، ورغم وضعنا لكتب التعليم وبرامج الكومبيوتر التي لم نستطع إيصالها للمندائيين!؟ كيف وطقوسهم الأصيلة والجميلة والمتفردة التي هي بعض أصالة العراق وجماله صارت نادرة الممارسة ولم يسع العراق لوضع برنامج لتوثيقها كبعض إرث العراق؟ كيف ونحن نعيش ذوبانهم بإستمالة الآخرين لهم ترغيبا وإغراء للأطفال في بلدان المهجر بمختلف الوسائل التي لا يملك المندائيون مصلا مضادا لها غير الدعاء والتناخي الذي لايكفي بالتأكيد؟ كيف ونحن نكاد نرى نهايتهم ككيان في غضون جيل أو جيلين إن بقي الحال على ما هو عليه الآن؟

 

نعم، يفتخر المندائيون بمحبة العراقيين الشرفاء لهم ووصفهم بكل صفات الأصالة والطيبة والإخلاص، ولكن هل من فعل يترجم كل ذلك إلى برامج ملموسة تحفظ هذا الوجود الذي يعتبر إرثا حياً ليس للعراق وحسب بل وللإنسانية؟

 

شخصيا قد عشت وساهمت وخدمت الكيان المندائي ضمن خدمتي لوطني العراق، وما زلت مساهما في حاضره وناظرا بأمل لمستقبله، لكن حالتين تؤثران فيّ أيما تأثير، الأولى: حينما أشاهد برنامجا لعالم الحيوان وأرى حيوانا يؤكلُ وهو حي رغم مقاومته التي لا تصمد، فإن ذلك يشعرني، ولو من باب التشبيه لا القياس، أن الكيان المندائي صار يؤكل وهو حي وتؤكل معه كل آلالاف السنين في بعض سنين. والحالة الأخرى حينما سعى ويسعى العراق ومعه الكثير من الدول والمنظمات الدولية لمتابعة عملية إعادة آثاره التي نهبت وسرقت وهربت، وأتساءل أليس المندائيون هم بعض من ساهم في صناعة تلك الآثار؟ أليس هم بعد ذلك وفوق ذلك أثرا من آثار العراق التي ما زالت تتنفس الحياة؟ ليتهم يحظوا بمثل ما تحظى به متابعة الحجر.

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي