wrapper

المفكر اليهودي الألماني موسى هيس ـ 3

عبقرية اليهود وولادة حضارة جديدة

"سيلوس العراقي"

العودة الى اليهودية : من ماركس الى سبينوزا

حينما اندلعت الثورة عام 1848 سارع هيس في العودة الى المانيا للقيام بدور نشط في النضال من أجل الحرية. وبعد أن فشلت الثورة تم الحكم بالأعدام على هيس، لكنه نجح في الهروب من المانيا. تجول بسبب ذلك في اوربا لعدة سنوات، تحت هاجس الخوف والتهديد المستمرين من تسليمه الى الحكومة البروسية. لغاية أن استقر في باريس عام 1853، حيث كرّس وقته لدراسة العلوم الطبيعية واليهودية.

في سنوات حياته الأخيرة مرّ هيس في أزمات روحية. فردود الفعل السياسية التي وقعت: قمع الحركات الثورية في المانيا وفرنسا، الصدع بين الليبراليين والاشتراكيين الثوريين، والخلافات الآخذة في الاتساع بين الماركسيين وغير الماركسيين داخل الحركة الاشتراكية نفسها سببت هذه كلها إحباطاً له وكانت السبب في إعادة النظر التي قام بها هيس في المسلمات الأساسية لـ "فلسفة العمل".

توصل هيس الى قناعة بأنه لا الأفكار التأملية المجردة الألمانية ولا المادية الاقتصادية الماركسية أحادية الجانب، يمكنها أن تكون الطريق الصحيح للفكر الاجتماعي، وأن الانسان ليس كائناً روحياً محضاً وليس منتجاً مادياً لمسببات مادية وقوى اقتصادية، وأملَ هيس في أن يجد من خلال دراسة الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية للانسان شرحا وتوضيحاً لوجوده (الانسان) كوحدة مادية وروحية غير قابلة للانحلال. فابتعد عن هيغل وماركس وعاد الى معلمه سبينوزا.

بحسب هيس، إن الوجود للأمم الحيّة ـ وليس باعتبارها فقط مجموعات اقتصادية أو طبقات اجتماعية ـ هو الذي يشير ويحدد الطريق للنظرية المجتمعية التي تأخذ بالاعتبار كل عوامل الحياة المادية والروحية. وفي نفس الوقت فان انطباعات هيس الدينية شبه المنسية التي كانت له في أيام طفولته، وجدت طريقاً لها لتجدد حياتها من جديد في فكر هيس. وعزز ذلك : الشعور المرير من العذاب الذي ثار في قلبه في عام 1840 من جراء حادث دمشق، ومن الشعور بالاحباط من فشل النضال الثوري. وفي خضم نشاطاته الاشتراكية بزغت عليه حقيقة " أنه ينتمي الى شعب تعيس مقذوف به ومحتقُر ومشتت".

لبعض الوقت، اختنقت نيته في اعطاء تعبير لشعوره بالـ "الصراخ بسبب الألم" في صدره بسبب الآثار التي تركتها فيه الآلام الكبيرة التي تعانيها البروليتاريا الأوربية.

أصبح مصير أمته، وفرادة ايمانها، والأهمية القومية والعالمية لرجاء وأمل المسيانية اليهودية، بالنسبة لهيس عناصر مهمة ظهرت له بنور جديد: انه رأى المشكلة اليهودية كونها واحدة من المشاكل الحاسمة في تاريخ البشرية. فبعد قطيعة عشرين عاماً : "كان مرة ثانية مع شعبه".

في عام 1862 ظهر كتابه "روما واورشليم" محاولة لحل "المشكلة الأخيرة للأمة " ليُظهر أهمية فداء اسرائيل من أجل مستقبل البشرية. أصبح هذا الكتاب أساساً لنظريات عديدة للقومية اليهودية المعاصرة وعملا كلاسيكيا مهماً للأدب الصهيوني.

السنوات الأخيرة :

عودة هيس الى شعبه وإلى ايمانه القديم لم يضعفا فيه التزامه للمثل العليا للوحدة العالمية وللتضامن الاجتماعي. ولم يتوقف هيس في أن يكون عضواً نشيطاً في الحركة الاشتراكية.

ففي عام 1863 ذهب الى المانيا للعمل جنبا الى جنب مع فرديناند لاسال مؤسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وقبل نهاية السنة عاد الى باريس، حيث أبدى العزم على عدم رؤية المانيا مرة أخرى، على الرغم من أنه استمر في المساهمة في الدوريات الألمانية، وكان مرتبطاً مع الاشتراكية الدولية في عام 1867.

كان مشمئزاً من الميول لمعاداة السامية والتمييز العنصري من قبل المتعلمين والمثقفين الألمان، واستحوذت عليه خيبة أمل من الاذلال الذاتي والذوبان ليهود ألمانيا. وأعرب عن اعتقاده بفرنسا ـ بلاد الثورة العظيمة ـ وأمله بأن تمدّ وتَبسط الأمة الفرنسية بعملها في فداء الشعب اليهودي ايضاً.

وعند اندلاع الحرب الفرنسية الألمانية هجر باريس ووجد ملجأ مؤقتاً في بروكسل، لكنه لم يُحمّل فرنسا أية ضغينة. ألمّ به حزن عميق لهزيمتها، وفي كتيب له "دولة مهزومة " كتبه بعد الحرب، اعترف فيه مرة أخرى ـ مثلما قال في كتابه الأقدم الترياركية الاوربية: ان التحالف الاوربي هذه المرة ليس ضد روسيا بل ضد ألمانيا البروسية.

في الفترة الأخيرة من حياته، انشغل هيس بمهمة اكمال فلسفته الاجتماعية من خلال فلسفة الطبيعة، معيداً تفسير أحادية سبينوزا وفقاً للتقدم العلمي الذي حصل في القرن التاسع عشر. وثمار سعيه في هذا المجال احتواها كتاب قضايا حيوية الذي قامت زوجته بنشره بعد وفاته 1877.

إن مساعيه وأبحاثه العلمية لم تقلل من تحمسه واهتمامه باليهودية التي وجدت متنفسا لها في الدوريات اليهودية، بالفرنسية والألمانية.

بعد حياة مليئة بالعطاء الفكري، حياة لم يهدأ فيها الرجل الذي كان من الرواد الأوائل للاشتراكية الحديثة وللقومية اليهودية، وضعت حداً لفكره في السادس من ابريل عام 1875 حيث توفي وتم دفنه، وفقاً لرغبته، في مقبرة عائلته في ديوتز على نهر الراين بالقرب من كولونيا.

شخصية هيس :

الميزة الواضحة في شخصية هيس هي حبّه المتقد للحقيقة والعدل. الرغبة في التعلم كانت قوية ودائمية لدى هيس مع استمرارية العمل لتحقيق أفكاره. التفكير والفكر لدى هيس لا يمكن فصله عن الفعل والعمل، فالفكر والنظرية يبقيان قاحلين وبلا معنى من دون ممارسة وتطبيق. فتمسكه الصادق لمبدأ الواحدية (المونيزم) أو الأحادية (المتعارضة مع الثنائية) ولفلسفة العمل تعكس السمات الأساسية لشخصية هيس.

إن هيس لم يكن فيلسوفاً ولم يكن كذلك سياسياً في المعنى الضيق للعبارتين، بل واعظاً ومناضلاً. كان مثالياً لكن محتقراً للتجريد البحت للمثالية الفلسفية والاشتراكية الثورية، انه يرى أن المبرر الوحيد للاشتراكية يكمن في مثالية الحب والحرية. رجل ملتهب : ثوري المزاج بقلب ممتليء بالحب، يعتقد بمهمته ورسالته " النبوية"، لا يمكنه التوافق مع تصوف جناح يمين الهيغليين ولا مع الماركسية (الميليشية ـ المسلحة) لماركس وأتباعه. إنه لا يملك الفطنة التحليلية والنقدية لماركس، ولا القوة المثالية للفيلسوف الكبير هيغل.

كان لديه عقلاً مثيراً ومتسعا، دائم البحث ومن دون توقف عن الحقيقة العليا مع سعي للقضايا القصوى لحياة الانسان. تمتع بصبر وبسهولة في استيعاب الأفكار الجديدة، مع البقاء وفياً لمعتقداته الأساسية الخاصة. تفانيه في خدمة القضية الانسانية والاشتراكية الدولية لم تقمع في قلبه مشاعره العميقة لشعبه وحبه لليهود كان في حد ذاته جزءاً من حبه لكلّ الجنس البشري.

كتاب "روما و أورشليم" :

الأفكار الرئيسية

ان فلسفة هيس كانت مستندة على الأسس الوراثية genetic principle ، التي تبدو له بأنها الأرضية المشتركة لواحدية monism لسبينوزا وللوحدانية monotheism اليهودية.

ومن خلال مدرسة هيغل، تمكن من تعديل أفهوم سبينوزا للمادة المطلقة الى أفهوم المبدأ الديناميكي. بالنسبة له لا يعني ذلك أساسياً عدم التغير، الكمال الأعلى، لكن قبل كل شيء، يعني الطاقة النشطة والقوة المبدعة، الأبدية اللازوال لها: "مصدر الحياة اللانهاية لها، استمرارية الخلق والإلهام.

إله اليهود، بحسب هيس، هو الوحدة الشاملة للكل، وهذا منظور سبينوزي. إنه إله الطبيعة مثلما إله البشرية، هو السبب الرئيسي والهدف النهائي لتطور الكون والتقدم الروحي والاجتماعي للانسان. مع أن ظهوره الأعلى هو في الروح الموحى للانسان ، لكن التاريخ هو المجال الأبرز للوحي الالهي.

ففي الحين الذي قدّس فيه اليونانيون الطبيعة على أنها الكيان الثابت المتناغم بذاتها، يعبد اليهود الله كإله أبدي للتاريخ ، كمصدر لكل المستقبل، والذي اسمه في العبرية يعني "الماضي، الحاضر والمستقبل". فليس هناك من تعارض (كبير) بين الفكرة اليهودية حول الله والأفهوم العلمي للطبيعة. اليهودية هي التعبير عن الأسس الوراثية، وهي من المسلمات الضرورية للعلم الحديث : قوة الله الخلاقة تكشف نفسها في قانون (شريعة) مطلق واحد فقط. الذي يحكم الحياة في مجالات الطبيعة والتاريخ كذلك. الوحدانية اليهودية اكتشفت "وحدة الروح الخلاقة أو الابداعية في تناقضها مع تعدد القوى".

شريعة الله لا يتم البحث عنها في السماء أو في الفضاء : الله يكشف نفسه بيننا ـ في قلبنا وروحنا. والله الذي ليس كهذا، الله الذي لا يكشف نفسه دائماً كالخالق الدائم الحضور الذي يعطي شريعته، ليس باله اليهود.. تؤمن اليهودية بسيادة الروح في العالم، وتؤمن بالهدف والغرض الأخلاقي للكون. الهدف الأخلاقي للكون والعالم هو السلام المسياني، أي وحدة الجنس البشري، التي من خلالها تتصالح وتتوافق كل القوى المعادية وتصبح في وئام، شاهدة على وحدة الله. هذه بعض الأفكار الرئيسية لموسى هيس في "روما واورشليم":

1ـ الطبيعة والتاريخ

قانون الطبيعة هو المتعلق بالنشوء والتطور، وبتعبير آخر هو قانون التقدم. المعرفة الكلية لهذا القانون غير ممكنة لحد الآن، لأن جزءاً من عملية التطور لم يكتمل: المتعلق بالتطور المجتمعي.

طرق العناية لازالت غامضة بالنسبة لنا. ومع ذلك نعلم بأنه لا يوجد تقدم من دون نهاية أو غير محدد، إن كان في العالم الاجتماعي للانسان، أو في العالم العضوي للنبات والحيوان، وان الانسان الذي يجلس على قمتهم غير كامل بعد.

لا توجد أية تقسيمات كاملة بين الفضاءات أو المجالات الثالثة للحياة، وليس هناك من هوة بين الجانب الروحي والجانب المادي للحياة:

انها تُشكل مراحل أو حقب مختلفة في حياة واحدة للعالم غير قابلة للتجزئة ، فهي دائما شابة وقديمة في آن واحد. تماما مثل الحياة العضوية التي تفوق مجال الحياة غير العضوية للعالم، من دون أن ينفصلا عن بعضهما، هكذا أيضاً مجال الحياة الاجتماعية للانسانية يفوق الحياة العضوية من دون الانفصال عنها تماما.

الاجناس البشرية البدائية كانت على شريط حدودي بين الحياة العضوية والمجالات الاجتماعية للحياة: احتوت على جذور للواقع الاجتماعي، تماما مثلما الكون المادي يحتوي على جذور العالم العضوي.

كل من مجالات الحياة يمر بثلاثة مراحل من : الخلق والتكون ـ التمو والنضوج ـ الاكتمال والكمال.

فبينما اكتمل تطور الطبيعة في ذاتها. لكن مجال الحياة الاجتماعية لازال غير مكتملا: لأن الانسان لم يصل الى هدفه التاريخي. ونحن نعيش في المرحلة الاخيرة للتطور الاجتماعي. في المستقبل سينجز الجنس البشري الحالة الهارمونية زالتناغم في حياته الاقتصادية والاجتماعية والروحية ، وسيتمتع بـ (سبت) السلام المسياني الذي هو خلاصة كل الخليقة.

2ـ اليهودية وايمان العالم

الديانة اليهودية هي الديانة الوحيدة في العالم التي تتعارض مع : المادية ضيقة الأفق، ومع الروحانيات الدنيوية الأخرى، "في اليهودية ، كما هو حال الحب، الجسد والروح منغمران منغمسان واحدهما في الآخر. انها الديانة في كمالها. الرابط الروحي بين الخالق والمخلوق، لا حصر لها، النهاية فيها تعود الى بدايتها، الجسر الذي يؤدي من خليقة الى أخرى، من الحياة الى الموت ومن الموت الى الحياة". إن اليهودية هي الديانة المناسبة لتكون أرضية للايمان العالمي".

3 ـ اليهودية والمسيحية

"ان الوحدانية (أو التوحيد) هي يهودية بامتياز فالوحدانية تحمل برعم حياة العالم الروحية، وهي ليست مسيحية . إن كلمة الله سوف تنتشر انطلاقا من اورشليم، وليس من روما.

فاليهودية لا تعتبر الانسان مُنتجاً من الطبيعة مثلما يعتقد الهللينستيين، ولا تؤله الانسان مثلما تفعل المسيحية، لكن اليهودية ترى في حياة الفرد كعنصر للحياة الاجتماعية والروحية للتاريخ، الذي يكشف الوحدة الأعلى وخطة (تصميم) الله".

"إن محاولة كشف أو إظهار الله في التاريخ، ليست فقط في تاريخ الجنس البشري، لكن ايضاً في تاريخ الكون والعالم العضوي، وهذا هو التعبير الأساسي للروح اليهودية".

"إن تأليه الشخصية في المسيحية كان له تبريراً تاريخياً: من أجل الدفاع عن حقوق الفرد كان من الضروري تصور فكرة الانسان بطريقة مجردة ، من دون ارتباطه بالعائلة أو بالأمة أو الوطن.

بينما اليهودية خالية من هذا المفهوم الخاطيء : انها ترى الفرد في حقيقته الكاملة، في سياقه التاريخي الطبيعي والاجتماعي. ليس هناك مما هو أكثر غرابة وغريب على اليهودية من السعادة الأنانية للانسان الفرد المنعزل، الذي بحسب الرؤية الحديثة، يعتبرونه النقطة المحورية للدين".

4 ـ اليهودية والقومية

سمة أساسية أخرى لليهودية هي ارتباطها الأساسي مع الفكرة القومية. اليهودية هي القوة الروحية ذات أهمية تاريخية عالمية، تتجسد في الجماعة القومية. اليهودية تعطي التعبير الحقيقي للمعنى الأعمق للفكرة القومية : انها تقوم بتحويل القومية الى وسيلة من أجل أغراض أعلى روحياً واجتماعياً.

اليهودية لا تتجاهل أهمية الاختلافات العرقية كعوامل حيوية في تطور الانسان، التي تتسبب في ظهور الأمم أو القوميات على مسرح التاريخ وتعزز التنوع والحيزات (من الحيز) للحياة الانسانية العاطفية (الحسية) والفكرية. اليهودية ، مع ذلك، لا تُمجّد العِرق على حساب الوحدة المثلى للجنس البشري ومساواة جميع البشر ككائنات أخلاقية واجتماعية.

الأجناس والأعراق ليست الغاية في حد ذاتها : هما الجذور والسيقان التي تحمل ثماراً روحية من مختلف الأنواع، وبالتالي لتحقق التبادل والمساهمة ـ كل ّ بطريقتها ـ في تنوع الحضارات. الأنواع العرقية، بحسب هيس، هي نتاجات التاريخ، تماماً مثل أنواع الحيوانات والنباتات كمنتجات للطبيعة.

إن وحدة جنس الانسان ليست الحقيقة الأولى الطبيعية، لكنه نتيجة لنشاط التاريخ : إن تنوع القبائل العرقية الأولية هو الخلفية، وكفاحهم هو الشرط ، وتعاونهم المتناغم هو الهدف. كيف تم التوصل الى املاء مجمل التاريخ بالنضالات والصراعات العرقية والطبقية : الصراع العرقي كان الأولي ، والصراع الطبقي يأتي ثانياً. وحدة الجنس البشري ـ كهدف للتطور ـ يفترض مسبقاً وجود خطة في تاريخ البشرية. الآن، في المرحلة الأخيرة لتاريخ العالم ـ بحسب هيس ـ مخطط الوحدة الالهية قد أصبح منكشفاً. انه انكشف أولاً في كتب اسرائيل المقدسة، التي أعلنت ليس فقط مثالية وحدة الجنس البشري، لكن أيضاً الفكرة الأساسية لوحدة كل حياة الكون العضوية والاجتماعية. الكتب المقدسة الاسرائيلية، تؤكد على وحدة الله ـ على رغم التنوع في العالم ووحدة الجنس البشري ـ على الرغم من تنوع الأعراق البشرية.

إن الشعب اليهودي قد لعب دوراً رائداً في التقدم الانساني نحو المستقبل المسياني. من خلال اليهودية، تاريخ الجنس البشري يصبح تاريخاً مقدساً : عملية توحيد التطور التي بدأت مع حب العائلة والتي سوف تنتهي قبل أن تكون كل الانسانية قد أصبحت عائلة واحدة. وهكذا فان جوهر القومية اليهودية ليس فقط متوافقاً مع الانسانوية ومع الحضارة، لكنه ضرورياً لافتراضهما. أصبح الشعب اليهودي جهاز (اوركان) الابداعي (الخلاّقي) الحقيقي للجنس البشري. إنه شعب مقدس، أداة الخالق الحي في تاريخ العالم، جهاز الحب المقدس الموحد. في اليهودية تمت المصالحة بين القومية والانسانوية. اليهود هم " أكثر من أن يكونوا أتباع دين، بل هم جماعة عرقية، شعب، أمة تاريخية. روح اليهودية هي روح اليهود : جذور خلقها ـ في الماضي والحاضر والمستقبل ـ ليست في السماء، بل في روح وقلب الشعب".

5 ـ الاندماج (الانصهار) والاصلاح الديني

بعد عودة هيس لشعبه، أصبح غيوراً ومنتقداً حاداً لعمليات الدعوة الى التماثل والانصهار وحركة الاصلاح التي تقوم على هذا الأساس. فوبخ اولئك الجبناء وعديمي الايمان " اولئك المستعدين للتخلي عن أجزاء حيوية من ميراثهم اليهودي لجني فوائد التمدن، وينكرون تمايزهم القومي اليهودي، يفتقرون لشجاعة الاعتراف بتضامنهم مع شعبهم التعيس والمضطهد والمنقسم. ليس اليهودي الورع من الطراز القديم (يقول هيس) بل اليهودي الليبرالي الحديث هو الذي يستحق الاحتقار" : اليهودي الذي يلقي بعباراته الجميلة للانسانوية وللتنوير من أجل أن يُخفي عدم ولائه لأخوته.

فالدعوة الى الاندماجية (والانصهار) الحديثة ليست فقط انشقاقاً لليهودي عن دينه بل خيانة لشعبه ولعائلته". "اخوتنا هؤلاء، من أجل الحصول على فرصة التمدن والحرية، يسعون الى اقناع انفسهم بأن اليهود المعاصرين لا يملكون الشعور القومي من بعد، قد فقدوا عقلهم".

"الحرية والتمدن لا يمكن أن يكونا ثمناً لخيانة للشعب، وإن كان صحيحاً بأن تحرر اليهودية لا يتوافق مع الارتباط بالأمة اليهودية، فعلى اليهودي بالتضحية بالأولى من أجل الأخيرة".

الخطأ الجذري للاصلاحيين بنظر هيس، ليس رغبتهم تعديل بعض الخصوصيات التقليدية اليهودية كحاجة ضرورية من أجل التحرر، لكن محاولتهم العبثية في تحرير أنفسهم من القومية اليهودية. بعملهم هذا في التخلص من الخصائص القومية لليهودية يقوم المصلحون بالقضاء على جوهر الديانة اليهودية. إن أهداف الاصلاحيين سلبية فقط ، حيث انهم يرومون الى : إلغاء الأسس القومية لليهودية. ويتجاهلون الاستمرارية التاريخية للتقليد اليهودي : انهم قاموا بتفريغ النخاع من اليهودية الظاهرة الأروع في تاريخ العالم، ولم يتركوا شيئاً منها الاّ ظلاّ لهيكل عظمي. اقترضوا فكرة الاصلاح الديني من مذهب غريب، الذي لا أساس له في ظروف العالم المعاصر، ولا أساس له في الخاصية والطابع الأساسي للقومية اليهودية. اصلاح يميل نحو تحويل اليهودية الى المسيحية في الوقت الذي تجد فيه المسيحية في حالة تفكك. في تقليدهم للاصلاح المسيحي الذي حدث في عصور سابقة، يحاول الاصلاحيون اليهود فصل الكتاب المقدس عن التطور اللاحق لليهودية، ووضع اليهودية النبوية للكتاب المقدس في الضد من اليهودية الرابينية للتلمود. هذه النظرة في الحقيقة، نظرة أضيق من نظرة الاورثوذوكسيين اليهود، الذين يعتبرون الشريعة الشفوية كمكمل للشريعة المكتوبة. وعلى خلاف كامل مع التاريخ. كما أنه من الخطأ افتراض أنّ من امكانية انصهار اليهودية والمسيحية سيولد أساس عقيدة عقلانية، حلم بها فلاسفة من القرن الثامن عشر " ديانة المستقبل للبشرية ستجد تعبيرها في طقوس مختلفة.....

6 ـ النكبة الأخيرة والولادة الجديدة لاسرائيل

يختصر موسى هيس وصفه للحالة الروحية للشعب اليهودي والعالم المعاصر بالرؤية النبوية للمستقبل. فهو يتوقع (يتنبأ) صراعاً من أجل السيطرة العنصرية، التي ستكون بدايتها من قبل الحكام الرجعيين لألمانيا، وهذه ستسبق ولادة عالم جديد. فنحن ندخل مرحلة تمثل نهاية صراعات عرقية واجتماعية ستؤدي الى "الكارثة الأخيرة" عشية سبت التاريخ. وعندها اليهود الداعين للانصهار سيدركون فشلهم. وستسلّم روما الصولجان الى اورشليم: ستعبر الهيمنة الروحية من روما المدينة المقدسة للحضارة المسيحية الى المدينة المقدسة الأبدية لاسرائيل، الى مسقط رأس اليهودية والمسيحية التي ستصبح مهدا لولادة الحضارة الدينية الجديدة. وسيجد الشعب اليهودي جنبا الى جنب مع الشعوب الأخرى التي ستجد مكانها الشرعي في التاريخ العالمي.

ونتيجة للنهضة (اعادة ولادة) القومية اليهودية في وطنه القديم، فان عبقرية اليهود، كمثل العملاق الاسطوري، ستستمد قوتها من عودة الشعب الى أرضه الأم، وسينشط من جديد بقوة روح الأنبياء.

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي