wrapper

ماذا لو عاد البلاشفة ؟

"سيلوس العراقي"

إن آفة الانحراف عن المباديء الأساسية في أي حزب من الأحزاب، تبدو انها تطال مجتمعية أيضاً تطال كل المجتمعات وفي كافة مستوياتها وأصعدة الحياة فيها وليس الأحزاب فقط.

بالقاء نظرة بانوراميكية (أو بانورامية) على البشرية، سنرى أتباع كافة الأديان وبألوانها المختلفة، قد انحرفوا بشكل كبير أو قليل عن تعاليم ومباديء مؤسسي أديانهم بدرجات متفاوتة، وكافة الحكومات بشكل أو بآخر تحاول الانحراف عن قوانينها ودساتيرها لتحقيق منافع شتى أحيانا مشروعة وأحيانا ليست كذلك. وينطبق هذا الانحراف على كافة المستويات الاخرى، ثقافية، مالية، اقتصادية، جنسية، بامكان المتأمل والقاريء أن يعدّد ويرى الكثير غيرها لتكتمل صورة بانوراما الانحراف الكاملة في عالمنا، حتى لا نطيل بالمقال.

حين تصل الانحرافات الى حد فاقع ولا يمكن تحمله، يلجأ أصحاب الشأن الذين يحاولون اعادة المسار ليكون أكثر قرباً لمساره الاصلي الحقيقي، يلجأون الى الثورات والانقلابات في حالة الحكومات المنحرفة، أو الى اعادة التنظيم في حالة الأحزاب ذات الماضي الطويل بواسطة عملية نقد شامل وصارم واعادة مأسسة أو اعادة تنظيم.

وفي حالة الانحراف الذي يحصل في أتباع الأديان عن التعاليم التأسيسية والرئيسية لها، تقوم الجماعات من الصف الأول من ذوي السلطة في دين معين بعملية اصلاح لما تم من انحرافات.

 حدثت عبر مراحل التاريخ عمليات اصلاح دينية في الأديان المعروفة، وكانت اليهودية هي الأكثر شجاعة في عملية الاصلاح والتجديد التي ابتدأت منذ القرن الخامس قبل الميلاد على يد عزرا، وتلتها اصلاحات عديدة وبدرجات مختلفة التأثير، على يد هلليل ق 1 ق.م. ويوحنان بن زكاي ق 1 ق. م. ثم توالت العديد منها ذات الأهمية الأقل شأنا، لغاية الاصلاح الذي تم على يد موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر الميلادي الذي تبعته حركات اصلاح مختلفة لم تتوقف في عصر التنوير ثم في فترة الثورة الفرنسية وما بعدها على يد العديد من المصلحين والمفكرين الدينيين اليهود وعدد من الحركات اليهودية. وكان للاصلاحات اليهودية تأثيرها الكبير في تقدم وازدهار المجتمع اليهودي في العالم في كافة مستويات حياته: الثقافية ـ الفكرية ـ الاقتصادية وغيرها ولكن أهمها هو في تحسينه على المستوى العالمي الذي ساعد اليهود في التواصل والتسارع في بناء مجتمع تتكيف فيه تعاليمه الدينية مع التطور المتسارع في العالم، واهمال ما هو ثانوي كان يعتبرفي قرون مضت من الاساسيات، وثبت عدم أهمية الاساسية.

وما حدث في اليهودية من اصلاحات وجدت لها طريقا لدى المسيحية  كواحدة من الديانات العالمية، فكانت بداية الاصلاح فيها بشكل رئيسي مع الحركة اللوثرية (مارتن لوثر ق 16 م) وتلتها اصلاحات متعددة في عدة قارات، لغاية عقد الستينات من القرن الماضي حيث قامت الكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني باصلاحات كبرى. بالتأكيد حين يتم الحديث حول اصلاحات فهذا لا يعني تغييرا لايمان الجماعة، بل نظرة جديدة الى العالم مؤسسة على التعاليم التأسيسية الجوهرية للديانة، تتميز بتأوينها الموائم للزمن، أي النظر الى العالم بنظارات فكرية سليمة وجديدة من دون تغيير عيون أتباع الدين، إن صحّ هذا التشبيه. وفي مجيء رأس جديد للكنيسة الكاثوليكية ، البابا فرنشيسكو ، من العالم الثالث،  يبدو أن الكاثوليكية قد دخلت مرحلة أكثر واقعية في  إصلاح جذري يعود الى ينابيعه الجوهرية الأصلية التي ارادها لها السيد المسيح، لتكون جماعة مؤمنة في خدمة البشرية بتجرد من دون استعباد وعبودية، ومن دون تمييز على أي أساس كان، سيكون له أثره الكبير في أنسنة العالم الذي فقد الكثير من انسانيته.

أما ما يتعلق بالاسلام، فعصيّ الأمر بما يتعلق بالاصلاح الديني الاسلامي، مع وجود بعض الحالات التي لا يمكن وصفها الا بالمتواضعة والخجولة، ربما لطبيعة الاسلام نفسه في انقساماته الكبيرة وعدم توفر جهة واحدة أو رأس أو هيئة واحدة، تتوفر لها صلاحية ومهام الاصلاح الذي بات من الضرورات المهمة إن كان لأتباعه أو للعالم، لأنه والحقيقة يجب أن تُقال بأن العالم مهددُ بخطر كبير نتيجة الاسلام بوجهه الحالي المعادي للعالم، ناهيك عن معاداة المذاهب الاسلامية واحدها للآخر الى درجة الاقتتال. آخذين بنظر الاعتبار أن العالم قد تجاوز مرحلة ضرورة الاقتتال ونشر الديانات بالقوة، وهدر دماء البشر لأسباب دينية، أو لجعل العالم كله من لون واحد وايمان واحد، هذه الفكرة التي أصبحت من الماضي في كل العالم الا في العالم الاسلامي، كل هذا وغيره الكثير الذي لا يمكن حصره في مقال يشير الى ضرورة عملية اصلاح شاملة في الرؤية الاسلامية الدينية لتكون أكثر عصرية بالمعنى الانساني، وعلينا أن نعترف بأن الديانة التي سوف لن تكون اليوم وغداً مساهمة في أنسنة العالم والبشرية سوف لن يكون لها امكانية في ازدها الحياة البشرية بل الى اعادتها الى قرون خلت، وهذا مسار معاكس للتاريخ، لا يمكنه أن ينجح ويستمر لفترة طويلة.

وما حدث للشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق من انحرافات كبيرة، هو مثال لمستقبل نظام انحرف كثيرا وبشكل رهيب عن أسباب وجوده الأولى، فما كان له أن يستمر، ونهايته معروفة للجميع لعدم تمكنه من عملية الاصلاح المستمر، والاصلاح المستمر هو مبدأ استمرارية وسيرورة حتمية تنطبق على الاديان مثلما تنطبق على كافة الانظمة المختلفة الأخرى في شتى مجالات الحياة.

ونختم مقالنا في رواية تروى في الاتحاد السوفيتي السابق في زمن بريجينيف. حين قام بريجينيف الشخص الأول في الدولة والجيش والحزب، الزعيم السوفيتي الأوحد في زمنه، حينما قام بجولة لوالدته المسنة في  معالم الكرملين، وأراها مكتبه الفخم، وغرفة استراحته والآثاث الفخم ، وكراج سيارات الليموز، قائلا لها : مارأيك يا أمي ؟ هل ابنك القائد الشيوعي الكبير للاتحاد السوفيتي وللشيوعيين في كل العالم قد قام بأحسن الاعمال والانجازات من تطور وتقدم ؟

وما كان من والدته الا أن تنظر اليه بخوف مع ازدراء : يا ولدي يا بريجينيف، انني قلقة جداً جداً. ماذا لو عاد البلاشفة يا ولدي، ثانية ؟ ماذا سيفعلون بك ؟

ضرورة الاصلاح في الدين أو المجتمع أو الاحزاب أو السياسة بشكل عامة، هي الوسيلة الواحدة لعدم الانهيار الشامل.

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي