wrapper

موت ستالين أنقذ مليوني يهودي من محرقة كبرى

"سيلوس العراقي"

من مقالة لاينريكو سيلفيستري في صحيفة الجورنالي الايطالية نشرت في عددها الصادر في 13 كانون الثاني من هذه العام 2013 المصادف الذكرى الستين لموت ستالين الذي كان ينوي بدء محرقة ضد اليهود السوفيت بعنوان: موت ستالين منذ ستين عاماً اعترض المحرقة الشيوعية.

إن أفضل استراتيجية تم استخدامها من قبل الانظمة الشمولية لتدعيمسيطرتهم على شعبهم والأمة، كانت دائما تقديم وإعطاء الناس عدواً لمحاربته ، واليهود على مرّ القرون (وبشكل شبه منتظم) تم تحديدهم من قبل بعض الامبراطوريات والدول التي حكمتها الدكتاتوريات على أنهم هدفا مثالياً لهذه الاستراتيجية.

يبدو أنها أصبحت في ألف باء السياسة لأي ديكتاتور في العالم، وكانت هذه من ضمن مجموعة المبادئ التوجيهية التي ثبت أن (الرفيق !) ستالين كان يعرفها عن ظهر قلب، فخلال عمليات التطهير من عام 1936 لغاية 1938 التي قام خلالها ستالين بالتخلص من الآلاف من أعدائه ـ ومهما قيل حولها إن كانت حقيقية أم لا ـ فان الحقيقة تشهد بأن العديد من الذين أمر ستالين بقتلهم كانوا من اليهود.

واستمر الحال هكذا مع ستالين المريض بالبارانويا ـ جنون العظمة، فاندلعت على يديه اضطهادات اليهود السوفيت التي حاكها جميعها هذه الدكتاتور الجورجي، متهما إياهم بأنهم السبب والوسط لمؤامرة دولية ينفذونها للقضاء على قيادات الحزب في الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية الأخرى.

وبدأت المذابح الجديدة رسميا قبل ستين عاما من وقتنا اليوم، وبالضبط في 13 يناير 1953، عندما نشرت جريدة الـ "برافدا"  الصحيفة الرسمية الناطقة باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في المقالة الأولى وعلى الصفحة الاولى فيها ـ رسمياً ـ هذه الاتهامات (أعلاه) ضد اليهود السوفيت.

وحدثت يومها فترة من الإرهاب الستاليني، الذي لم يدم سوى شهر ونصف، حيث في  5 مارس آذار أخذت السكتة الدماغية بعيدا الطاغية العجوزالى عالم الأموات، وتجنب العالم بموته حدوث محرقة ثانية للجالية اليهودية.

إن معاداة اليهود والسامية لم تكن وليدة عهد ستالين أو لينين ، بل أنها كانت قد عمّت المجتمع الروسي القيصري منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وليس من قبيل الصدفة أن الكلمة الروسية المذبحة (بوجوم) pogrom هي نفس المصطلح الروسي الذي يعني "الخراب".

في بداية القرن العشرين أنتجت الشرطة السرية القيصرية الكتاب السخيف بأكاذيبه "بروتوكولات حكماء صهيون"، على أنه خطة سرية لليهود الذين كانوا يستعدون ويتهيأون لغزو العالم من خلال السيطرة على وسائل الإعلام والمصادر المالية العالمية.

يوسف ستالين وباللغة الروسية يعني "الصلب"، كلما بلغ به العمر نمت معه الكراهية الشرسة ضد اليهود. خصوصا بعد خبرته وهو ولد صغير للحالة المزرية التي كان عليها أبيه السكّير الذي كان في حالة سكر دائم، حيث بدّد الأب ثروة العائلة، واضطر لبيع جميع أصولها إلى مكاتب الرهونات، وهذه المكاتب كان يديرها اليهود. لذلك من الواضح أنّ ستالين أخفى بل أضمر معاداته للسامية ولليهودية في اللاوعي وفي الوعي أحياناً كثيرة، وكان عنيداً وصلباً عنيفاً كما هو واضح في معاداته لليهود بشكل خاص، من خلال عمليات التطهير الكبرى التي قام بها في الثلاثينات عندما أهلك الحرس القديم البلشفي، وكانت عملياته مستعرة ولا سيما على الشيوعيين السابقين من أصل يهودي الذين أمرا بقتلهم ، فسقطوا بالآلاف بالاعدام رميا بالرصاص.

شهد القمع الذي كان يشنه ستالين ضد اليهود بعض الوقت من التوقف، ولنقل استراحة ، ليس حبا باليهود، بل للظروف الاضطرارية التي مرّ بها خلال الحرب العالمية العظمى ضد النازية، لكنه استأنفها بالفعل وبقوة أشد عنفاً في أواخر الأربعينات. حينها كان مصابا بحالة البرانويا (جنون العظمة) التي جعلته يرى ويتخيل أعداءً في كل مكان حوله، وخصوصا بين اليهود.

وبالفعل بدأ منذ عام 1949 باصدار أوامر اعتقالات للعديد من اليهود البارزين في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، فبينما في يوم 27 تشرين الثاني من عام 1951 تم وضع رودولف سلانسكي الأمين العام للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي في السجن، ونائبه بدريخ جيمندر، وكلاهما من اليهود وعلى صلة ببافلوفيتش بيريا رئيس البوليس السري، الذين كانوا قد أنشأوا في تشيكوسلوفاكيا مركزاً لتقديم المساعدات والأسلحة لاسرائيل التي كانت منشغلة في حرب دفاعية ضد الهجمات التي شنت عليها من قبل العرب. وهذه الحال والظروف المتغيرة، كانت الوقت المفضل والمناسب لستالين ليظهر عداءه ضد اسرائيل، فتم اتهام كل من سلانسكي وجيمندر بتهمة الصهيونية واتباع سياسة معادية للعرب. فتمت المحاكمة التي عقدت من 20 لغاية 27 نوفمبر تشرين الثاني 1952 ضد 14 متهماً ، 11 منهم كانوا من اليهود، وأصدرت المحكمة حكما بالاعدام بحق سلانسكي وجيمندر وتسعة آخرين من اليهود بتهمة الخيانة العظمى والتجسس.

وفي شهر مايو آيار من عام 1952 تم تقديم 15 شخصا أعضاء في اللجنة اليهودية لمكافحة الفاشية، متهمين اياهم بأنهم قد قدموا طلباً من ستالين قبل ثمان سنوات لتأسيس دولة لليهود في شبه جزيرة القرم (كريميا)، وانتهت عملية محاكمتهم في تموز بحكم الاعدام على 13 منهم.

وفي تشرين الثاني عام 1952 أعلنت الصحافة الاوكرانية عن قتل العديد من اليهود بتهمة معاداة الثورة.

ويبدو أنه في ذلك الوقت وتلك السنة قد أينعت وحان وقت اندلاع واطلاق عمليات قمع واسعة النطاق، ففي تشرين الاول من عام 1952 وصلت رسالة أرسلت الى اللجنة المركزية من ليديا تيماشوك ، والتي كانت ذريعة، حيث أن طبيبة القلب في مستشفى الكرملين قامت بزيارة لاندريه زادانوف المصاب بمرض في القلب، قامت الطبيبة بعد الزيارة باصدار تشخيص يدحض تشخيص الأطباء الآخرين الذين كانوا يعتنون بحالة اندريه. وبعد أيام قليلة توفي المؤرخ السوفيتي أندريه، فأمر ستالين بالقاء القبض على العديد من الأطباء، بما في ذلك العديد من الأخصائيين العاملين في الكرملين، ومن بينهم مدير المستشفى نفسه، ايغوروف، وطبيبه الخاص فينوجرادوف، وتم اتهامهم بالتآمر. وتم الاستناد الى رسالة الدكتورة تيماشوك في تحميلهم مسؤولية الوفاة ولكن ايضاً وكالعادة التي كانت جارية في الاتحاد السوفيتي، تم انتزاع العديد من الاعترافات تحت الترهيب وتحت وطأة التعذيب.

وفي 13 كانون الثاني من عام 1953 بدأت جريدة (البرافدا) الناطقة باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي،حملة صحفية عنيفة ضد الأطباء اليهود في عنوان كبير : "تحت قناع أطباء بروفسورية في الطب جواسيس وقتلة سيئي السمعة " .  فوجد مليوني يهوديّ سوفييت أنفسهم فجأة في خطر عظيم، حيث بدأت وسائل الاعلام والاتصال في الدعوة لمطاردة اليهود، من قبل ملثمين رسمياً مع شعار تعبوي يرفعونه وهو معاداة الصهيونية ، وبدأت التحذيرات من عمليات التطهير والمذابح تتصاعد في جميع أنحاء البلاد.

ففي سيبيريا ، اوزبكستان وبيروبيجان كانت هناك معسكرات الاعتقال التي تم انشاؤها منذ سنين سابقة، ومع تخطيط دقيق وصامت كانت تستعد وتتهيأ لاستقبال ولاستيعاب السجناء الجدد. واضطر على أثر ذلك بعض المفكرين اليهود الكبار مثل الكاتب ايليا ايهرينبرغ، وعازف الكمان الشهير ديفيد اويستراخ، والكاتب فاسيلي غروسمان، وغيرهم الكثير على التوقيع على (الاعلان اليهودي) للدعوة الى الترحيل حفاظا على أمن السكان اليهود من غضب الشعوب السوفيتية.

من المستحيل بطبيعة الحال في نظام الاتحاد السوفيتي الستاليني، توفر احصائيات دقيقة لأعداد اليهود الذين تم استهدافهم، لكن التقديرات المقبولة تقدّر عدد اليهود بين متهم ومقتول ومعتقل ومعدوم في غضون أسابيع قليلة كانت حوالي 600000 من اليهود.

ثم تم تحولّ مفاجيء في الأحداث في الأول من آذار حيث ستالين البالغ من العمر 73 عاما، الذي كان في فيلته في قرية كونتسيفو ، التي هي اليوم حي من أحياء موسكو، وجد مصابا بجلطة في المخ. ولم يتجرأ حراس ستالين أمام باب غرفته على طرقها، لغاية صباح اليوم التالي، حينها كان الطاغية العظيم في وضع ميؤوس منه : كان جسده مشلولا نصفياً وقد فقد قدرته على نطق الكلمات. استمر احتضار الدكتاتور الدموي لغاية فجر 5 آذار مارس. وفي الأسابيع التالية لموته حدثت محرقة أخرى بحق اليهود بسبب الاضطرابات الكبرى في الأوامر، لكن في جميع الأحوال فأن موت الدكتاتور ستالين أنقذ حياة مليوني يهودي من مصير الموت على يدي واحد من أكبر طغاة القرن العشرين.

ملاحظة:  تمت الترجمة مع بعض التصرف 

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي