wrapper


قصة قصيرة بعنوان/ انتصار

بقلم: سنان نافل والي

توقفت السيارات بتكاسل عند إشارة المرور، فأندفع يحث خطاه باتجاه أقرب سيارة إليه، ماسكاً بيديه إحدى الجرائد الكثيرة التي يحملها تحت كتفه الأيمن، وقد أبرز منتصف الصفحة ليجلب انتباه أصحاب السيارات إلى العناوين الموجودة فيها... آملاً في بعيها.

كان صوته ضعيفاً وهو يصيح بضجر وسط صخب السيارات وضجيج محركاتها:

جرائد، مجلات، جرائد اليوم...

مرت ساعات طويلة عليه دون أن يبيع شيئاً، وشمس تموز مازالت تحمل مطرقتها اللاهبة لتضربه على رأسه دون هوادة؛ ومع استسلامه معلناً خسارته المبكرة في هذا النزال... تحركت أصابعه عدة مرات لتعدل من وضع نظارته ذات الإطار الأسود حول عينيه كلما انزلقت على أنفه الصغير المدبب؛ بينما كفه تمسح قطرات العرق المتصبب فوق جبته، ولحيته البيضاء...

مع انتصاف النهار أصبحت الحرارة سيدة الموقف بالكامل، وهي التي تتحكم بكل شيء من حولها؛ وعلى الرصيف المترب جلس قليلاً ليريح قدميه من الوقوف طوال تلك الساعات دون أن يبالي بحرارة بلاطات الرصيف، ووضع ما يحمل من جرائد ومجلات على الأرض، فلامست أطراف قميصه ذو الأكمام الممزقة، واللون الكالح أتربة الرصيف محدثاً غباراً من حوله، ما لبث أن تلاشى في الهواء الذي حمله بعيداً ليصبح وحدة واحدة تحت لهيب الشمس الحاكم؛ وضع يده اليمنى على جبهته وهو يجلس القرفصاء، وأغمض عينيه المتعبتين، وشعر للحظات أنه أصبح أخف حملاً، وأكثر هدوءً، وبدأ ضجيج السيارات يخف من حوله حتى لم يعد يسمع شيئاً منها؛ وأحس أنه الوحيد في المكان، وأن الناس، والأشجار، والغبار لم يعد لهم من وجود!! بل حتى ملابسه شعر أنها لم تكن موجودة عليه، وأن هواءً بارداً بدأ يلسع رقبته العارية من الخلف...

فرك عينيه وحاول أن يفتحهما ولكن دون جدوى!!

كانتا مغلقتين بإصرار غريب، كمحارتين لا تريدان فتح غطائهما ليكشف الآخرون سر البحار وأعماقها. رفع يده ليجرب أن يفتحها بالقوة ولكنهما أصبحت أكثر عناداً كأنهما شفتي فتاة خجولة لا تريد البوح بعشقها لفارس أحلامها!!

كان خوفه يزداد ضراوة، لأن إغلاق عينيه لم يمنعه من الرؤيا!! بل العكس، أصبح نظره أقوى بكثير من السابق، وأكثر شفافية وإحساساً لكل ما يحيط به من أشياء...

تلفت حوله فرأى أن الشارع قد اختفى والسيارات لم تكن موجودة وكذلك الأشجار المتناثرة على طول الطريق، وحتى الشمس أصبحت أكثر خجلاً مما كانت عليه!! فألتفت ببرقع مزركش من الغيوم الداكنة السوداء؛ كان هناك العديد من الرجال حوله، الكثير منهم كان يحمل شيئاً ما، أدرك فوراً أنه سلاح معين تعود أن يحمله فيما مضى! لم يكن يفهم شيئاً إلا أن الجميع من حوله بدءوا بالصراخ عليه... أن يرمي بنفسه داخل إحدى الحفر القريبة دون أن يعرف السبب!!

لقد أصبح مشلولاً تماماً ما عدا عينيه المغلقتين اللتين كانتا ترى الأشياء بوضوح تام.

ركض الرجال في كل الاتجاهات، وسمع صراخهم يتعالى وهم يسقطون بألم كديدان مسحوقة تحت أقدام عملاق أعمى!! ومع صراخهم، والرعب المرتسم على عيونهم كانت أصوات الأنفجارات وصفير القنابل يمزق الأذان فيحيل الجميع إلى كومة من الرعب، والهلع...

حاول بكل قوته أن يحرك قدميه ويركض مثل الآخرين... تفاجأ أنه يركض بسهولة، وسرعة وأصابعه بدأت تتحرك، وفمه كان يصدر أصواتً غريبة من الصراخ والعويل... فأندفع بكل قوته ليجري دونما تعين، وتغيرت المناظر من حوله في ثوان معدودة، فعادت السيارات إلى مكانها، وعادت الأشجار ترتجف على الرصيف المترب، واستعادت الشمس عرشها وسطوتها، وأصبح جريه بين السيارات الآهثة أسرع، وقلبه يدق أجراس الميلاد، وعينيه كانتا تنظران إلى السماء والغيوم، إلى بريق الشمس الذي أعماها للحظة حتى سقط أمام إحدى السيارات وسط الشارع الأسفلتي الأسود، وابتسامة حزينة، خجلة تظهر من خلف عينيه السوداوين وبضع قطرات من الدم كانت تتدحرج متسللة بوقاحة لتروي ظمأ الأسفلت القاسي ومغطيه زجاج نظارته برداء أحمر دافئ لتعلن على الملأ لحظة انتصاره التي طال أمدها منذ وقت طويل!!          

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي