wrapper

رحلة مع ايليا النبي : لماذا يفعل الله هكذا بنا ؟

" سيلوس العراقي "

ايلياهو ، أو ايليا ، النبي الاسرائيلي الذي دافع عن الله ـ يهوه ، ضد عبادة البعل والآلهة الأخرى، في النصف الأول من القرن التاسع عشر قبل الميلاد. في زمن حكم الملك آحاب.

يلقّب بايليا التشبشتي أو التشبي، وبالعبرية : ( ه ت ش ب ي ) . يشير اللقب الى العائلة والى المكان الذي يأتي منه ايلياهو، وهو على حدود أرض نفتالي . بينما في الترجوم يُذكر بالعبرية ( م ت ش ب ي  ج ل عَ د ) أي من تشبي جلعاد الذي يشير الى مكان في جلعاد. اذن يكون المكان الذي أتى منه ايلياهو شرق الاردن، باتجاه اسرائيل (المملكة الشمالية) لمحاربة عبادة بعل.alian

كان ايليا يلتحف لباسا بسيطاً مصنوع من جلد الحيوانات متمنطقا بحزام (إزار) من الجلد. يمكن الرجوع الى حياته وأفعاله في كتاب (سفر) الملوك الأول والثاني للمزيد من التفاصيل .

لايليا مكانة كبيرة في الروايات والقصص (الليجندا) اليهودية ، ربما تفوق تلك التي لغيره من الشخصيات البيبلية الكتابية . تركّز هذه الروايات ليس على حياة ايليا كما وردت في الكتاب المقدس ، بل على حضور وأعمال ايليا ما بعد نهاية حياته على الارض وانتقاله الى السماء، مرتكزة على المعتقد الديني والايماني اليهودي بأن الله سوف يرسله ثانية ليكون سابقا لمجيء المسيا (المسيح) .

ويتم تقديمه في الأدب الرابيني كما في الروايات على أنه : الغيور على شعبه، الذي يساعد من يعيش في ضيق أو مشقة وغيرها.

تحضر شخصية ايليا النبي في الأدب القبّالي أيضاً، ويتم تصويره في الأدب الصوفي اليهودي كأنه ملاك سماوي، في صراع مع ملاك الموت ، ويعتبر انتقاله الى السماء كبداية لعمله الجديد على الأرض ، مع أبناء شعبه. كما تلقبه الهجادا بطائر الجنة أو الفردوس، كتعبيرصوري وتشبيهي لأنه يشبه الطائر في امكانيته على الانتقال الى أماكن كثير في العالم ، فيظهر ايليا بشكل فجائي حيث يكون التدخل الالهي ضرورياً . وأن ظهوره بين الناس كثير، ويظهر بهيئات مختلفة ، في الحلم أحياناً وفي اليقظة أحيانا أخرى، وغالباً يتعرف عليه الأشخاص الأتقياء والأبرار.  تحمل ظهورات ايليا غالباً رسائل وتعليم في البرّ والاحسان والتقوى والصلاح .

رحلة مع النبي ايليا

كان يعيش في إحدى المدن، رجل يخاف الله ، رابي شموئيل بن يوسف، يثق ثقة كبيرة في الله في كل ما يحدث له في حياته ولأهله وبيته. وبالرغم من ذلك كان يقلق ويتحيّر لما يحصل لشعبه ولأبناء جماعته. كان كثير التساؤل. يتساءل مثلا ، في نفسه " لماذا على جارتنا سارة ، الامرأة الطيبة أن تتألم من فقدان ابنها الوحيد، في حين غيرها من الاشخاص الذين لا يتصدقون على الفقير مثلما تفعل سارة ولا يتمّون أعمال الرحمة على القريب مثلما تفعل دائما سارة، يتنعمون بسعادة وبحياة عائلية هانئة ؟ ويوجه شموئيل تساؤلاته وحيرته الى الله.

ويحتار في صعوبات عائلة أخرى من جماعته، كانت غنية فافتقرت ، ولم يعد بامكانها العيش مثلما اعتادت دائماً، فيتساءل، لماذا يفعل الله هكذا ؟

وكثيرة الأمور التي كانت تسبّب حيرة وقلق لرابي شموئيل ، وكانت تزداد يوما بعد يوم المآسي التي كانت تدفعه للسؤال : لماذا يحدث هذا ؟ وكيف ؟ ومن دون توقف لهذه التساؤلات في فكر شموئيل الذي يتوجه ويصوّب قلبه نحو الله متمتماً له :

" يا الهي، يا اله العالم وخالق الكون ،

ساعدني لأن أفهم سبلك ،

أنا أدرك معجزاتك في كل مكان

من هذا العالم ،

لكنني بدأت أرى اليأس فقط ،

والذي أراه يحيرني أكثر فأكثر ،

ليتني يا الهي ،

التقي بالنبي ايليا ،

علّيَ أن أفهم

وأن أرى ثانية معجزاتك ".

قضى بعدها شموئيل بضع أيام في صوم وصلاة على هذه النية.

وبينما كان يتمشى خارجا في البرية بين الحقول ، اقترب منه رجل غريب قائلاً : أنا هو ايليا . مالذي تريد أن تسأله مني ؟

فأجابه شموئيل : أريد أن أرى العجائب التي تجترحها في العالم ، لأن عالمي أنا مظلم ، ولا أفهم مالذي يدور حولي.

قال له ايليا : حينما ترى ماذا أفعل، بكل تأكيد، سوف لن تفهم أفعالي ، وحينها سيكون عليّ أن أوضحها وأشرحها لك ، وذلك سيأخذ وقتاً طويلاً جداً...

فقاطعه رابي شموئيل قائلا : لا لا لا ، أنا أعدك بأن لا آخذ كثيراً من وقتك ، ولن أزعجك بأسئلتي . وانني سوف أرافقك وألاحظ لأشهد عجائبك ،هذا فقط وليس غير.

فقال ايليا : حسناً جداً ، لكن تذكر بأنك لو سألت توضيحات وشروحات سوف أختفي وأتركك.

ولم يكن لشموئيل خيار آخر غير الموافقة.

ايليا في ضيافة عائلة فقيرة في كوخ فقير :

 فبدأ شموئيل يسير مع ايليا، الى أن وصلا الى كوخ صغير، حيث يعيش رجل فقير مع زوجته، اللذان لا يملكان الا القليل القليل ، يملكان بقرة واحدة فقط ، لكنهما يستقبلان الغرباء بحرارة. يضعان أمام ضيوفهما كل ما يملكان من طعام ومأكل ومشرب.

فدعيا الرجلين الغريبين شموئيل وايليا للدخول والجلوس والأكل معهما.

وقضوا الليلة كلها في النقاش حول أمور كثيرة تتعلق بالشريعة ، وانشرح قلب الرجل وزوجته فرحاً بالكثير الذي تعلماه من الضيفين في كوخهما الصغير.

في الصباح حين خروجهما ومغادرتهما الكوخ الصغير وعائلته الصغيرة الفقيرة ، أعطى النبي ايليا إشارة ، والبقرة رأسمال العائلة الفقيرة الوحيد، لقت حتفها وماتت حالا.

وبينما هما سائران في طريقهما، كان شموئيل يتمتم مع نفسه بغضب : " هذا بعض من ردّ الجميل للزوجين الطيبين، اللذان قاما باستقبالنا واستضافانا بكرم وطيبة !! هل من العدل أن يكون ردّ جميلهم هكذا ؟ !!

ولم يستطع شموئيل من السيطرة على ارتباكه العميق والحزين ، سائلا ً  ايليا : لماذا ؟ لماذا سبّبت في موت بقرتهما الوحيدة ؟

فأجابه ايليا وهو يمشي : " هل نسيت الشرط الذي طلبته منك منذ البداية ؟ لا ينبغي عليك أن تسأل أي شرح أو توضيح لما أقوم به أنا ولِما أفعل، وبعكسه سوف أتركك ".

في الحقيقة أنّ ما كان شموئيل يريد أن يحاجج فيه هو : أين عجائبك التي تساعد وتنقذ الفقراء يا ايليا ؟ لكنه ظل مستمراً قافلا فاه في مسيره الى جانب ايليا من دون أي سؤال .

ايليا في قصر رجل ثري جداً :

وحين حلّ المساء، اتجها نحو قصر كبير لرجلٍ ثريّ جداً، طرقا على الباب. فاستقبلهما سيّد القصر مرسلاً اياهما الى غرفة صغيرة حيث ينام خدم القصر، ولم يتم تقديم أي طعام لهما ولا حتى قطعة خبز، فنام شموئيل وايليا جائعين ومن دون عشاء.

وفي الصباح حين خروجهما رأى ايليا شجرة ملاصقة لسياج القصر قد اقتلعتها الريح من جذورها ، فاتجه ايليا صوب الشجرة ، وبايماءة منه عادت الشجرة حية وجذورها تعمقت في الأرض .

شموئيل، وهو يرى ما فعل ايليا بالشجرة، جنّ جنونه في قلبه وصعدت الحرارة في رأسه غضباً :  يُعيد الحياة الى الشجرة !! لماذا يكافيء ايليا هذا الرجل الثري البخيل ، بكرمٍ كبير ؟ هل هذا معقول ؟ !

لكن شموئيل لم ينبس ببنت شفه لايليا، وتفكر في نفسه متأملاً أن يفهم سبب ذلك بطريقة غير مباشرة وربما ببعض الاشارات أو العلامات من ايليا ، لكن خاب ظنه وظلّ حائراً طيلة ذلك النهار محروماً من أي اشارة او علامة .

ايليا في ضيافة سيناغوغ قرية ثرية :

بقيا سائرين الى جانب بعضهما لغاية أن وصلا الى سيناغوغ في احدى القرى، دخلا السيناغوغ، فرأيا أن مقاعد وكراسي السيناغوغ مطلية بالذهب والفضة ، والناس جالسة على هذه المقاعد ، ولم يتحرك أحد من الجلوس لاستقبالهما أو لاعطائهما مقعدا ليجلسا. وبعد انتهاء الصلاة في السيناغوغ لم يُعر أيّ من الحضور أهمية للغريبين ولم يلتفت أحد اليهما ، أو يستضيفهم أحد على العشاء كعادة كل أهل القرى باستضافة الغريب حين يحلّ في قرية ما. واكتفى أحد الحضور بالقول بأنه يكفي أن يُعطى لهما شيء من الخبز والماء وهذا كافٍ لرجلين مثل هؤلاء.

وحيث لم يتقدم أحد لاستضافتهم تلك الليلة، طلبا الاذن وقضيا ليلتهما وناما في السيناغوغ على المقاعد التي تكسر الظهر. وعند الصباح حين أتى الناس لأداء الصلاة في السيناغوغ قال لهم ايليا : " أطلب من الله أن يجعلكم جميعا قادة ".

ايليا في ضيافة سيناغوغ قرية الفقراء :

وشموئيل لم يزدد إلا حيرة وغضباً في نفسه من كل ما جرى ويجري ومما يفعله ويقوله ايليا. استمرا في مسيرتهما لغاية العصر، حين وصلا الى قرية فيها جماعة يغلب الفقر عليها وعلى أهلها. لكن الناس الفقراء استقبلوا الغريبَين في غرفة في السيناغوغ، وطلبوا منهما أن يرتاحا فيها ، ثم بدأ أهل القرية بحمل ما لديهم من مأكل ومشرب الى الضيفين، فقضيا ايليا وشموئيل ليلة هانئة كأنها ليلة عيد بأكل أنواع المأكل وبشرب الخمر النبيذ الجيد وبوفرة.

وعند الصباح لحظة مغادرتهما قال ايليا للناس : " ليبارككم الله بقائدِ واحدٍ فقط ".

تمالك شموئيل أعصابه وسيطر على نفسه .. وبينما كانا في طريقهما التفت شموئيل الى ايليا قائلاً : " لا أريد المزيد، لا ، لا،  لا ،

 لاأريد يا ايليا ،

لا يمكنني تحمّل المزيد ،

لا أُطيق الأعمال غير العادلة التي تقوم بها.

اعذرني وسامحني

ولأنني أعرف بأنك سوف تتركني الآن

أرجوك أن تخبرني قبل أن تتركني  

مالذي فعلته  ؟

فأنا لم أفهم شيئا مما فعلته ،

ويبدو لي أنك فعلت تماماً عكس ما يستحقه الناس في كل مرة .

وبدأ شموئيل بالبكاء ودموعه غمرت عينيه ووجهه.

فردّ عليه ايليا قائلاً : " يا صديقي ، اسمعني جيداً.

هل تذكر العائلة الفقيرة التي تعيش في الكوخ حيث ماتت بقرتهما ؟

إن المرأة ، كان مقرراً لها أن تموت في ذلك اليوم عينه ، لذا طلبت من الله أن يقبل موت البقرة عوضاً عن موت المرأة.

ثم، تتذكر يا شموئيل حينما كنا في بيت الرجل الغني والبخيل ؟

أنا أحييت الشجرة الميتة التي كانت ساقطة . فانني لو لم أفعل ذلك وأعيدها حية ، لرفعها الرجل البخيل ولعثر على كنزٍ كبيرٍ جداً مخبأ تحت جذور تلك الشجرة التي كانت ميتة وساقطة.

وهل تتذكر حين تمنيت وطلبت للشعب الثري والأناني في سيناغوغ تلك القرية الغنية ، بأن يكون لهم قادة كثيرون ، وربما شعر أهل القرية بالارتياح على أنه دعاء حسن لهم . لكنه في الحقيقة كان لعنة على أهل القرية. لأن أي جماعة فيها قادة وزعماء كثر لا يمكنها أن تتفق على أي شيء ولا يمكنها أن تقرر أي شيء لمصلحة جماعتها .

وتتذكر  أيضاً حينما دعوت للشعب الفقير المحبّ والكريم ، بأن يكون لهم قائد واحد فقط . فكان ذلك بركة كبرى لهم لأن الحكمة تقول : " من الأفضل أن يكون للمدينة أو للقرية قائد واحد حكيم من أن يكون لها قادة كثر لكن حمقى" .

وقبل أن يغادر ايليا ، التفت الى رابي شموئيل قائلاً : " أُحب أن أعطيك نصيحة ستفيدك كثيراً يا صديقي . حينما ترى شخصاً شريراً وإن كانت حياته مزدهرة بالمال ، أنت ضع في فكرك بأن شره في النهاية سينقلب عليه ويصبح ضده. وحين ترى شخصاً  باراً وصدّيقاً يتحمل المشقات ، تذكّر بأن هذا الشخص قد تم انقاذه وخلاصه مما هو أسوأ منه بكثير.

لا تشكّ يا صديقي في هذه الأمور من بعد. لأنه لا يمكن للمرء أن يفهم طرق الله دائماً ".

رحل واختفى ايليا من انظار رابي شموئيل الذي عاد الى بيته واستمر في رؤية عجائب كثيرة في العالم في حياته.

الى الملتقى مع روايات أخرى حول ايليا وظهوراته وقصصه وافعاله ، في مقالات لاحقة في الفلكلور الديني الشعبي، جميعها مترجمة بتصرف من عدد من  كتب للتراث اليهودي والعالمي ومن لغات وتقاليد وبلدان متعددة ومختلفة .

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي